ثم جاء من بعدهم أبو الحسن سهل بن مالك إمام الأدب ، ثم من بعدهم لهذه العصور صاحبنا الوزير أبو عبد اللّه بن الخطيب إمام النظم والنثر في الملّة الإسلامية غير مدافع ، فمن محاسنه في هذه الطريقة :
امزج الأكواس واملالي نجدّد * ما خلق المال إلّا أن يبدّد
ومن قوله على طريقة الصوفية وينحو منحى الششتري منهم :
بين طلوع وبين نزول * اختلطت الغزول
ومضى من لم يكن * وبقي من لم يزول
ومن محاسنه أيضا قوله في ذلك المعنى :
البعد عنّك يا ابني أعظم مصائبي * وحين حصل لي قربك سيّبت قاربي « 1 »
انتهى المقصود جلبه من كلام ابن خلدون ، وقد أطال رحمه اللّه تعالى في هذا المقصد ، ولم أرد إيراد جميع كلامه لطوله وعدم تعلّق الغرض به ، وفيما ذكرته منه كفاية لتعلّقه بأمر لسان الدين رحمه اللّه تعالى ، وشهادته له أنه شاعر الإسلام غير مدافع ، وأنه انتهت إليه رياسة الصناعة الزجلية والتوشيحية .
[ ترجمة أبي بكر بن باجة آخر فلاسفة الإسلام ببلاد الأندلس ( ابن الصائغ ) ]
وأبو بكر بن باجّة الذي أشار إليه ابن خلدون : هو أبو بكر بن الصائغ التّجيبي السّرقسطي ، الذي قال في حقّه لسان الدين في « الإحاطة » : إنه آخر فلاسفة الإسلام بجزيرة الأندلس . وكان بينه وبين الفتح بن خاقان صاحب « القلائد » معاداة فلذلك هجاه في القلائد ، وجعله آخر ترجمة فيها إذ قال ما نصّه : الأديب أبو بكر بن الصائغ ، هو رمد عين الدين ، وكمد « 2 » نفوس المهتدين ، اشتهر سخفا وجنونا ، وهجر مفروضا ومسنونا ، فما يتشرّع ، ولا يأخذ في غير الأضاليل ولا يشرع ، ناهيك من رجل ما تطهّر من جنابة ، ولا أظهر مخيلة « 3 » إنابة ، ولا استنجى من حدث ، ولا أشجى فؤاده بتوار في جدث ، ولا أقرّ بباريه ومصوّره ، ولا قرّ بتباريه « 4 » في ميدان تهوّره ، الإساءة إليه أجدى من الإحسان ، والبهيم « 5 » عنده أهدى من الإنسان ، نظر في تلك التعاليم ، وفكّر في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم ، ورفض كتاب اللّه
هامش
( 1 ) سيبت : تركت . وقاربي : أراد أقاربي .
( 2 ) الكمد ، بفتح الكاف والميم : الحزن .
( 3 ) المخيلة : اسم مفعول من خال ، خيلا . ومخيلة الشيء ظنه . والمضارع إخال وأخال أي أظنه .
( 4 ) في ب « عن تباريه » .
( 5 ) في ب « والبهيمة » .