تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
أو يتعلّم طبع المثقال ، بحانوت البقال ؟ والظنّ للغالب « 1 » - وقد تلتبس المطالب - أنكم أمرتموها ، لما أصدرتموها ، بإعمال التشوّف ، فطردت حكم الأبدال ، غائبة عمّا يلزم من الجدال ، وسمّت الشين صادا ، وعيّنت لزرع الوصيّة حصادا ، واللّه تعالى يجعل المحبّ عند ظنّ من نظر بمرآته ، أو وصفه ببعض صفاته ، وهي تزلق عن صفاته ، فالتصوّف أشرف ، وظلاله أورف ، من أن يناله كلف بباطل ، ومغرور بسراب ماطل ، لا برباب هاطل ، ومفتون بحال حال أو عاطل ، ومن قال ولم يتّصف بمقاله ، فعقله لم يرم عن عقاله ، وجبال أثقاله ، مانعة له عن انتقاله . وعلى ذلك ، وبعد تقرير هذه المسالك ، فقد عمرت يدها كيلا تعود بها صفرا « 2 » بعد إعمال السفر ، أو ترى أنها قد طولبت بذنب الغلط المغتفر ، وأصبحت المراجعة بمجلس وعظ فتحت به باب الحرج ، إلى إنكار الإمام أبي الفرج « 3 » وفنّ الوعظ لما سأل الأخ هو الصديق المسعد ، والمبرق قبل غمام رحمته والمرعد ، وللّه درّ القائل : لست به ولم تبعد ، والاعتراض بعد ملازم ، لكنّ الإسعاف لقصده لازم ، وعامله عند الاعتلال بالعذر جازم ، وإغضاؤه ملتمس ، وفضله لا يخبو « 4 » منه قبس ، وعذرا أيها الفاضل ، وبعد الاعتذار ، عن القلم المهذار ، وإغفال الحذار ، اقرأ عليهم من طيّب السلام ، ما يخجل أزهار الكمام عقب الغمام ، ورحمة اللّه تعالى ممّن يمليه على الكاتب ، ولعلّها تفتأ من عتب العاتب ، ابن الخطيب ؛ فإني كتبته والليل دامس ، وبحر الظلام طامس ، وعادة الكسل طبع خامس ، والنافخ بشكوى البرد هامس ، والذبال المنادم خافت ، لا يهتدي إليه الفراش « 5 » المتهافت ، يقوم ويقعد ، ويفيق ثم يرعد ، ويزفر ثم يخمد ، وربّما صار ورقة آس ، أو مبضع آس « 6 » ، وربما أشبه العاشق في البوح بما يخفيه ، وظهوره من فيه ، فتميله الآمال وتلويه ، وتميته النواسم الهفافة بعد ما تحييه ، والمطر ، قد تعذّر معه الوطر ، وساقه الخطر ، وفعل في البيوت المتداعية ما لا تفعل الترك والططر ، والنشاط ، قد طوي منه البساط ، والجوارح بالكلال تعتذر ، ووظائف الغد تنتظر ، والفكر في الأمور السلطانية جائل ، وهي بحر هائل ، ومثلي مقنوع منه باليسير ، ومعذور في قصر الباع وضعف المسير ، والسلام » ؛ انتهى .
هامش
( 1 ) في ب « والظن الغالب » . ( 2 ) تعود صفرا : خالية الوفاض ، أي صفر اليدين . ( 3 ) الإمام جمال الدين أبي الفرج عبد اللّه بن الجوزي البغدادي ، الفقيه ، المفسر . ( 4 ) لا يخبو منه قبس : يريد لا تنطفىء له شعلة . ( 5 ) الفراش : جمع فراشة وهي حشرة طائرة ، ومضرب المثل في الجهالة المتمادية فيقال : يتهافت الذباب على الشراب ، والفراش على الشهاب . ( 6 ) الآسي : الطبيب . ومبضعه : أداته في الجراحة .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 130 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي