تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١

[ من إنشائه في السياسة ، قصة عن الرشيد ]

وهي من البلاغة في الذروة . ومن نثر لسان الدين رحمه اللّه تعالى قوله : وممّا صدر عني في السياسة : « حديث « 1 » من امتاز باعتبار الأخبار ، وحاز درجة الاشتهار ، بنقل حوادث الليل والنهار ، وولج بين الكمائم والأزهار ، وتلطّف لخجل الورد من تبسّم النهار ، قال : سهر الرشيد ليله ، وقد مال في هجر النبيذ ميله ، وجهد ندماؤه في جلب راحته ، وإلمام النوم بساحته ، فشحّت عهادهم « 2 » ، ولم يغن اجتهادهم ، فقال : اذهبوا إلى طرق سمّاها ورسمها ، وأمهات قسمها ، فمن عثرتم عليه من طارق ليل ، أو غثاء سيل ، أو ساحب ذيل ، فبلغوه ، والأمنة سوّغوه ، واستدعوه ، ولا تدعوه ، فطاروا عجالى ، وتفرّقوا ركبانا ورجالا ، فلم يكن إلّا ارتداد طرف ، أو فواق « 3 » حرف ، وأتوا بالغنيمة التي اكتسحوها ، والبضاعة التي ربحوها ، يتوسّطهم الأشعث الأغبر ، واللجّ الذي لا يعبر ، شيخ طويل القامة ، ظاهر الاستقامة ، سبلته مشمطّة ، وعلى أنفه من القبع مطّة ، وعليه ثوب مرقوع ، لطير الحرق عليه وقوع ، يهينم بذكر مسموع ، وينبئ عن وقت مجموع ، فلما مثل سلم ، وما نبس بعدها ولا تكلم ، فأشار إليه الملك فقعد ، بعد أن انشمر وابتعد ، وجلس ، فما استرق النظر ولا اختلس ، إنما حركة فكره ، معقودة بزمام ذكره ، ولحظات اعتباره ، في تفاصيل أخباره ، فابتدره الرشيد سائلا ، وانحرف إليه مائلا ، وقال : ممّن الرجل ؟ فقال : فارسيّ الأصل ، أعجميّ الجنس عربيّ الفصل ، قال : بلدك وأهلك وولدك ؟ قال : أمّا الولد فولد الديوان ، وأمّا البلد فمدينة الإيوان ، قال : النّحلة ، وما أعملت إليه الرحلة ؟ قال : أمّا الرحلة فالاعتبار ، وأمّا النّحلة فالأمر الكبار ، قال : فنّك ، الذي اشتمل عليه دنّك ؟ فقال : الحكمة فنّي الذي جعلته أثيرا « 4 » ، وأضجعت فيه فراشا وثيرا ، وسبحان الذي يقول
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
[ سورة البقرة ، الآية : 269 ] وما سوى ذلك فتبع ، ولي فيه مصطاف ومرتبع ، قال : فتعاضد جذل الرشيد وتوفّر ، كأنما أغشى وجهه قطعة من الصبح إذا أسفر ، وقال : ما رأيت كالليلة أجمع لأمل شارد ، وأنعم بمؤانسة وارد ، يا هذا إني سائلك ، ولن تخيب بعد وسائلك ، فأخبرني ما عندك في هذا الأمر الذي بلينا بحمل أعبائه « 5 » ، ومنينا
هامش
( 1 ) في ب « حدّث » . ( 2 ) العهاد : الأمطار . ( 3 ) الفواق : ما بين الحلبتين من الوقت ، وقيل : ما بين فتح يد الحالب وقبضها على الضرع . والحرف : بالفتح ، هنا : الناقة . ( 4 ) أثيرا : مفضلا . ( 5 ) الأعباء : جمع عبء ، وهو ما يثقل حمله .