بمراوضة إبائه « 1 » ، فقال : هذا الأمر قلادة ثقيلة ، ومن خطّة العجز مستقيلة ، ومفتقرة لسعة الذّرع ، وربط السياسة المدنية بالشرع ، يفسده الحكم في غير محلّه ، ويكون ذريعة إلى حلّه ، ويصلحه مقابلة الشكل بشكله ، ومن لم يكن سبعا آكلا تداعت سباع إلى أكله .
« فقال الملك : أجملت ففصّل ، وبريت فنصّل ، وكلت فأوصل ، وانثر الحبّ لمن يحوصل « 2 » ، واقسم السياسة فنونا ، واجعل لكلّ لقب قانونا ، وابدأ بالرعيّة ، وشروطها المرعيّة .
فقال : رعيّتك ودائع اللّه تعالى قبلك ، ومرآة العدل الذي عليه جبلك ، ولا تصل إلى ضبطهم إلّا بإعانة اللّه تعالى التي وهب لك ، وأفضل ما استدعيت به عونه فيهم ، وكفايته التي تكفيهم ، تقويم نفسك عند قصد تقويمهم ، ورضاك بالسهر لتنويمهم ، وحراسة كهلهم ورضيعهم ، والترفّع عن تضييعهم ، وأخذ كلّ طبقة بما عليها ومالها ، أخذا يحوط مالها ، ويحفظ عليها كمالها ، ويقصّر عن غير الواجبات آمالها ، حتى تستشعر عليتها رأفتك وحنانك ، وتعرف أوساطها في النّصب امتنانك ، وتحذر سفلتها سنانك ، وحظّر على كلّ طبقة منها أن تتعدّى طورها ، أو تخالف دورها ، أو تجاوز بأمر طاعتك فورها ، وسدّ فيها سبل الذريعة ، وأقصر جميعها عن خدمة الملك بموجب الشريعة ، وامنع أغنيائها من البطر والبطالة ، والنظر في شبهات الدين بالتمشدق والإطالة ، وليقلّ فيما شجر بين الناس كلامها ، ويرفض ما تنبز به أعلامها ، فإنّ ذلك يسقط الحقوق ، ويرتّب العقوق ، وامنعهم من فحش الحرص والشّره ، وتعاهدهم بالمواعظ التي تجلو البصائر من المرة ، واحملهم من الاجتهاد في العمارة على أحسن المذاهب ، وانههم عن التحاسد على المواهب ، ورضهم على الإنفاق بقدر الحال ، والتعزّي عن الفائت فردّه من المحال ، وحدّد « 3 » البخل عن أهل اليسار ، والسخاء على أولي الإعسار ، وخذهم من الشريعة بالواضح الظاهر ، وامنعهم من تأويلها منع القاهر ، ولا تطلق لهم التجمّع على من أنكروا أمره في نواديهم ، وكفّ عنهم أكفّ تعدّيهم ، ولا تبح لهم تغيير ما كرهوه بأيديهم ، ولتكن غايتهم ، فيما توجّهت إليه إبايتهم ، ونكصت عن الموافقة عليه رايتهم ، إنهاءه إلى من وكلته بمصالحهم من ثقاتك ، المحافظين على أوقاتك ، وقدّم منهم من أمنت عليهم مكره ، وحمدت على الإنصاف شكره ، ومن كثر حياؤه من التأنيب ، وقابل الهفوة
هامش
( 1 ) منينا : مبني للمجهول ، والمعنى وفقنا إليه وكان من أمانينا . ومراوضة إبائه ، أي ترويضه والتغلب على امتناعه ، وجعله طوع البنان .
( 2 ) يحوصل : يخزن .
( 3 ) في ب « وحذر البخل » .