يكدّر لكم مشرب . وتمرّ أيام وشهور ، وتظهر بطون للدهر وظهور ، وتفتح أبواب ، وتسبّب أسباب ، من رجوع يتأتّى بعد السكون والفتور ، وقد سكنت الخواطر وتنوّعت الأمور ، أو مقام تمهّد به البلاد ، ويعمل في ترتيب الصلة الحسنة الاجتهاد ، وتستغرق في هذا الغرض الآماد ، ويتأتى أن حدث وتراكم حادث الاستقلال والاستبداد ، تتهافت « 1 » الأعمار ، ويكون لمن ينتقل به على الشرق والغرب الخيار ، أو التحكّم في ذخيرة سما منها المقدار ، وذهل عند مشاهدتها الاعتبار ، وخزانة الكتب بجملتها وفيها الأمّهات الكبار ، قد تجافت عنها الحاجة وعدم إليها الاضطرار ، والربع الذي يسوّغ بالشرع والعقار ، فهذا كلّه حاصل ، وثمّ ضامن لا يتّهم وكافل ، وعهود صبغها غير ناصل « 2 » . وبالجملة فالوطن لأغراض الملك جامع ، ولمقاصده من المقام أو الانتقال مطبع وسامع ، وإن توقّع إثارة فتنة ، أو ارتكاب إحنة ، فالأمر أقرب ، وحالة التيسير أغرب ، وهذه الحجّة في تلمسان غير معتبرة ، وأجوبتها مقرّرة ، وقدوم رسول الطاغية وإعانته تحصل في الغالب ، على هذه المطالب ، وبالجملة فالدنيا قد اختلّت ، والأقدام قد زلّت ، والأموال قد قلّت ، وشبيبة الدهر ولّت ، وذلك القطر على علّاته أحكم لمن يروم الجاه وأمنع ، وأجدى بكلّ اعتبار وأنفع ، وقد حضرت لاستخلاصكم إياه الآلة التي لا تتأتّى في كل زمان ، وتهيّأ إمكانه أيّ إمكان ، واقتضيت أيمان ، وعرضت سلع تقلّ لها أثمان ، وارتهنت الوفاء مروءات وأديان ، وتحقّق بذلك القطر الفساد الذي اشتهر به مأموره وأميره « 3 » ، والمنكر الذي يجب على كلّ مسلم تغييره ، فإن شئت شرعا فالحكم ظاهر ، أو طبعا فالطبع حاضر ، وما ثمّ عاذل بل عاذر « 4 » ، والمؤونة التي تلزم أقلّ من أن تكون ثمن بعض الحصون ، فضلا عن الشجرة ذات الغصون ، وما يستهلك في هذا الغرض شيء له خطر ، ولا يستنقذ من الصحيفة سطر ، واليد محكمة بكلّ أو شطر . وما يخصّ المملوك من هذا الأمر إلّا استنقاذ نشب ، واستخلاص مؤمّل بين موروث ومكتسب ، وبعيد أن لا ينفر له في زمن من الأزمان ، ملوك في كل وقت وأعيان « 5 » ، ومروءات وأحساب وأديان ، واللّه سبحانه كلّ يوم هو في شان ، وأمّا خدمة دولة فهي عليّ حرام ، لا ينجح لي فيها أن أعتمدها مرام ، وكأني بالمشرق لاحق ، ولأنفاسه الذكية ناشق ، فما هي إلّا أطماع ، سرابها لماع ، فإذا انقطعت ، انفسحت الدنيا
هامش
( 1 ) في ب « تتهيأ » .
( 2 ) صبغها غير ناصل : أي ذهاب صبغة الشعر ، وظهور الشعر الأبيض فيه : انظر ص ( 124 ) .
( 3 ) في ب « مأموره وأموره وأميره » .
( 4 ) ثم : هناك . عذل : لام . وعاذل : اسم فاعل بالتاء المحذوفة وأصله : عاذلة من العذل : وهو اللوم في تسخط . وعاذر : اسم فاعل من عذر يعتذر أي التمس حجة ليعتذر .
( 5 ) في ب « من أعيان » .