الحسد « 1 » بحال السليم ، ولا ينكر ذلك في الحديث ولا في القديم ، ولكن النفس منصرفة عن هذا الغرض ، نافضة يدها من العرض ، قد فوّتت الحاصل ، ووصلت في اللّه تعالى القاطع وقطعت الواصل ، وصدقت لما نصح الفود الناصل « 2 » ، وتأهّبت للقاء الحمام الواصل ، وقلت :
[ المنسرح ]
انظر خضاب الشباب قد نصلا * وزائر الأنس بعده انفصلا « 3 »
ومطلبي والذي كلفت به * حاولت تحصيله فما حصلا
لا أمل مسعف ولا عمل * ونحن في ذا والموت قد وصلا
والوقت إلى الإمداد منكم بالدعاء في الأصائل والأسحار ، إلى مقيل العثار ، شديد الافتقار ، واللّه عزّ وجلّ يصل لسيدي رعي جوانبه ، ويتولّى تيسير آماله من فضله العميم ومآربه ، وأقرأ عليه من التحيّات ، المحملة من فوق رحال الأريحيات ، أزكاها ، ما أوجع البرق الغمائم فأبكاها ، وحسد الروض جمال النجوم الزواهر فقاسها بمباسم الأزهار وحكاها ، واضطبر « 4 » هرم الليل عند الميل عصا الجوزاء وتوكّاها ، ورحمة اللّه تعالى وبركاته » ؛ انتهى .
وممّا خاطب به لسان الدين - رحمه اللّه تعالى ! - ابن مرزوق المذكور قوله :
« سيدي ، وعمادي ، كشف قناع النصيحة من وظائف صديق ، أو خديم لصيق ، وأنا بكلتا الجهتين حقيق ، ويتلجلج في صدري كلام أنا إلى نفثه ذو احتياج « 5 » ، ولو في سبيل هياج ، وخرق سياج ، وخوض دياج « 6 » ، وقد أصبحت سعادتي عن أصل سعادتك فرعا ، فوجب النصح طبعا وشرعا ، فليعلم سيدي أنّ الجاه ورطة ، والاستغراق في تيار الدول غلطة ، وبمقدار العلو - إلّا أن يقي اللّه تعالى - تكون السقطة ، وأنه - واللّه تعالى يعصمه من الحوادث ، ويقيه من الخطوب الكوارث ! - وإن تبعه الجمع « 7 » فهو مفرد ، وبسهام الحسدة مقصد ، وأنّ الذي يقبّل يده ، يضمر حسده ، وما من يوم إلّا والعلل تستشري ، والحيل تريش وتبري ، وسموم المكايد
هامش
( 1 ) إبطان الحسد : إضماره وإخفاؤه .
( 2 ) نصح : بمعنى صدق وأخلص . والفود : الموت . الناصل : اسم فاعل نصل أي ذهب وولى .
( 3 ) نصل الخضاب : يقال : نصلت اللحية أي خرجت من الخضاب ، وخضاب الشباب : كناية عن سواد الشعر ، ذهابه : ظهور الشيب فيه .
( 4 ) في ب « واضطبن » .
( 5 ) أي ذو احتياج إلى البوح به .
( 6 ) الدياجي : الليالي .
( 7 ) في ب « الجم » .