اللّوّامة ظهور ، جعلنا اللّه تعالى ممّن ذكر المسبب في الأسباب ! وتذكّر
وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ
[ سورة البقرة ، الآية : 269 ] قبل غلق الرّهن وسدّ الباب ، وبالجملة فالفراق ذاتيّ ، ووعده مأتيّ ، فإن لم يكن فكأن قد ، ما أقرب اليوم من الغد ، والمرء في الوجود غريب ، وكل آت قريب ، وما من مقام إلّا لزيال ، من غير احتيال ، والأعمار مراحل والأيام أميال : [ الوافر ]
نصيبك في حياتك من حبيب * نصيبك في منامك من خيال
جعل اللّه تعالى الأدب مع الحقّ شأننا ! وأبعد عنّا الفراق الذي شاننا ! وإني لأسر لسيدي بأن رعى اللّه تعالى صالح سلفه ، وتداركه بالتلاقي في تلفه « 1 » ، وخلّص سعادته من كلفه ، وأحلّه من الأمن في كنفه ، وعلى قدرها تصاب العلياء ، وأشدّ الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء .
هذا ، والخير والشّرّ في هذه الدار ، المؤسّسة على الأكدار ، ظلّان مضمحلّان ، فقد ارتفع ، ما ضرّ أو نفع ، وفارق المكان ، فكأنه ما كان ، ومن كلمات الملوك ، البعيدة عن الشكوك ، إلى أن يشاء ملك الملوك : [ مجزوء الكامل ]
خذ من زمانك ما تيسّر * واترك بجهدك ما تعسّر
ولربّ مجمل حالة * ترضى به ما لم يفسّر
والدهر ليس بدائم * لا بدّ أن سيسوء إن سرّ
واكتم حديثك جاهدا * شمت المحدّث أو تحسّر
والناس آنية الزجا * ج إذا عثرت به تكسر
لا تعدم التّقوى فمن * عدم التّقى في الناس أعسر
وإذا امرؤ خسر الإل * ه فليس خلق منه أخسر
وإنّ للّه تعالى في رعيك لسرّا ، ولطفا مستمرّا مستقرّا ، إذ ألقاك اليمّ إلى الساحل « 2 » ، فأخذ بيدك من ورطة الواحل ، وحرّك منك عزيمة الراحل ، إلى الملك الحلاحل « 3 » ، فأدالك من إبراهيمك سميّا ، وعرفك بعد الوليّ وسميّا ، ونقلك من عناية إلى عناية ، وهو الذي يقول وقوله الحقّ
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ
[ سورة البقرة ، الآية : 106 ] .
هامش
( 1 ) تلفه : هلاكه .
( 2 ) ألقاك اليم إلى الساحل : مأخوذ من التنزيل العزيز في قصة موسىفَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ[ طه : 39 ] .
( 3 ) الملك الحلاحل : العظيم ، وهذا يقع في صدر بيت لامرىء القيس :القائلين الملك الحلاحلا * خير معد حسبا ونائلا.