تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
الأندلس نائبا في تأنيسه عن مخدومه ، ومنوّها حيث حلّ بقدومه ، واتّصلت بعد ذلك بينهما المهاداة والمعرفة ، والوسائل المختلفة ، فعظم لأجل هذه الوسائل شوقي إلى التشرّف لزيارة ذلك الجناب الذي حلوله شرف وفخر ، ومعرفته كنز وذخر ، فلمّا ظهر الآن لمحلّ الأخ الكذا القائد فلان اللحاق بك ، والتعلّق بسببك ، رأيت أنه قد اتّصل بهذا الغرض المؤمل بعضي واللّه تعالى ييسّر في البعض ، عند تقرير الأمن وهدنة الأرض ، وهذا الفاضل بركة حيث حلّ لكونه من بيت أصالة وجهاد ، وما جدا وابن أمجاد ، ومثلك لا يوصى بحسن جواره ، ولا ينبّه على إيثاره ، وقبيلك في الحديث - من العرب - والقديم ، وهو الذي أوجب لها مزيّة التقديم ، لم يفتخر قطّ بذهب يجمع ، ولا ذخر يرفع ، ولا قصر يبنى ، ولا غرس يجنى ، إنما فخرها عدوّ يغلب ، وثناء يجلب ، وجزر تنحر « 1 » ، وحديث يذكر ، وجود على الفاقة ، وسماحة بحسب الطاقة ، فلقد ذهب الذهب ، وفني النشب ، وتمزّقت الأثواب ، وهلكت الخيل العراب ، وكلّ الذي فوق التراب تراب ، وبقيت المحاسن تروى وتنقل ، والأعراض تجلى وتصقل ، وللّه درّ الشاعر إذ يقول : [ الرجز ]
وإنما المرء حديث بعده * فكن حديثا حسنا لمن وعى « 2 »
هذه مقدمة إن يسّر اللّه تعالى بعدها لقاء الأمير ، فيجلي اللسان عمّا في الضمير : [ الطويل ]
ومدحي على الأملاك مدح ، وإنما * رأيتك منها فامتدحت على وسمي
وما كنت بالمهدي لغيرك مدحتي * ولو أنه قد حلّ في مفرق النجم

[ من كلامه يخاطب شيخه أبا عبد اللّه بن مرزوق ]

ومن ذلك ما خاطب به شيخه الخطيب سيدي أبا عبد اللّه بن مرزوق ، وهو : [ السريع ]
راش زماني وبرى نبله * فكنت لي من وقعها جنّه « 3 »
ولو قهرت الموت أمّنتني * منه وأدخلتني الجنّه « 4 »
هامش
( 1 ) في ب « وجزور وينحر » . ( 2 ) البيت من مقصورة ابن دريد وقبله :وللفتى من ماله ما قدمت * يداه قبل موته لا ما اقتنىوابن دريد هو محمد أبو بكر بن دريد الأزدي ، من علماء اللغة والأدب وقد قيل فيه : ابن دريد شاعر العلماء وأعلم الشعراء . توفي في بغداد سنة 321 ه . ( 3 ) جنة : درع ، حافظ ، واق . ( بالضم ) . ( 4 ) الجنة : هي ( بالفتح ) دار النعيم والخلود .