[ من رسالة له كتب بها إلى الفقيه أبي زكريا بن خلدون لما ولي الكتابة عند أبي حمو سلطان تلمسان ]
وكما خاطب الولي ابن خلدون خاطب أخاه أبا زكريا يحيى حسبما قال في بعض كتبه :
وممّا خاطبت به الفقيه أبا زكريا بن خلدون ، لمّا ولي الكتابة عن السلطان أبي حمّو سلطان تلمسان من بني زيان واقترن بذلك نصر وصنع غبطته به وأشدت به قصد تنفيقه وإنهاضه لديه :
« نخصّ الحبيب الذي هو في الاستظهار به أخ وفي الشفقة عليه ولد ، والولي الذي ما بعد قرب مثله أمل ولا على بعده جلد ، والفاضل الذي لا يخالف في فضله ساكن ولا بلد ، أبقاه اللّه تعالى وفاز فوزه وعصمته لها من توفيق اللّه سبحانه عمد ، ومورد سعادته المسوغ لعادته لا غور ولا ثمد ، ومدى إمداده من خزائن إلهام اللّه تعالى وسداده ليس له أمد ، وحمى فرح قلبه بمواهب من ربّه أن يطرقه كمد .
« تحية محلّه ، من صميم قلبه بمحلّه ، المنشئ رواق الشفقة ، مرفوعا بعمد المحبّة والمقة « 1 » ، فوق ظعنه وحلّه ، مؤثره ومجلّه ، المعتني بدقّ أمره « 2 » وجلّه ، ابن الخطيب ، من الحضرة الجهادية غرناطة ، صان اللّه تعالى خلالها ، ووقى هجير هجر الغيوم ظلالها ! وعمر بأسود اللّه تعالى أغيالها ، كما أغرى بمن كفر بالله تعالى صيالها ! . ولا زائد إلّا منن من اللّه تعالى تصوب ، وقوة يستردّ بها المغصوب ، ويخفض الصليب المنصوب ، والحمد للّه تعالى الذي بحمده ينال المطلوب ، وبذكره تطمئنّ القلوب ، ومودّتكم المودّة التي غذتها ثديّ الخلوص بلبانها ، وأحلتها حلائل المحافظة بين أعينها وأجفانها ، ومهّدت مواتّ أخواتها الكبرى أساس بنيانها ، واستحقّت ميراثها مع استصحاب حال الحياة إن شاء اللّه تعالى واتّصال زمانها ، واقتضاء عهود الأيام بيمنها وأمانها ، وللّه درّ القائل « 3 » : [ الطويل ]
فإن لم يكنها أو تكنه فإنه * أخوها غذته أمّه بلبانها
« وصل اللّه تعالى ذلك من أجله وفي ذاته ، وجعله وسيلة إلى مرضاته ، وقربة تنفع عند اعتبار ما روعي من سنن الجبار ومفترضاته . وقد وصل كتابكم الذي فاتح بالريحان والرّوح ، وحلّ من مرسوم الولاء محلّ البسملة من اللوح ، وأذن لنوافح الثناء بالبوح ، يشهد عدله بأنّ البيان يا آل خلدون سكن من مثواكم دار خلود ، وقدح زندا غير صلود ، واستأثر من محابركم السيالة ، وقضب أقلامكم الميّادة الميّالة ، بأب منجب وأمّ ولود ، يقفو « 4 » شانيه غير المشنوّ ،
هامش
( 1 ) المقة : المحبة .
( 2 ) بدق أمره : أي دقيقه وأراد قليله .
وجله : أي جليله ، وأراد كثيرة .
( 3 ) البيت لأبي الأسود الدؤلي .
( 4 ) يقفو : يتبع .