بسياسته سوسه ، وانبساط أوحى إليّ على الفترة ناموسه ، وإنما هو اتّفاق جرّته نفثة المصدور ، وهناء الجرب المجدور ، وخارق لا مخارق ، فثم قياس فارق ، أو لحن غنى به بعد الممات مفارق ، والذي سبّبه ، وسوّغ منه المكروه وحبّبه ، ما اقتضاه الصنو يحيى مدّ اللّه تعالى حياته ، وحرس من الحوادث ذاته ! - من خطاب ارتشف به لهذه القريحة بلالتها ، بعد أن رضي علالتها ، ورشح إلى الصّهر الحضرمي سلالتها ، فلم يسع إلّا إسعافه ، بما أعافه ، فأمليت مجيبا ، ما لا يعدّ في يوم الرهان نجيبا ، وأسمعت وجيبا ، لما ساجلت هذه « 1 » الترهات سحرا عجيبا ، حتى إذ ألف القلم العريان سبحه ، وجمح برذون « 2 » الغرارة فلم أطق كبحه ، لم أفق من غمرة علوّه ، وموقف متلوّه ، إلّا وقد تحيّز إلى فئتك معتزّا بل معترّا ، واستقبلها ضاحكا مفترّا ، وهشّ لها برّا ، وإن كان لونه من الوجل مصفرّا ، وليس بأوّل من هجر ، في التماس الوصل ممّن هجر ، أو بعث التمر إلى هجر ، وأي نسب بيني اليوم وبين زخرف الكلام ، وإجالة جياد الأقلام ، في محاورة الأعلام ؟ بعد أن حال الجريض ، دون القريض « 3 » ، وشغل المريض ، عن التعريض ، واستولى الكسل ، ونسلت « 4 » الشعرات البيض كأنها الأسل « 5 » ، تروع بمرط الحيات ، سرب الحياة ، وتطرق بذوات الغرر والشّيات ، عند البيات ، والشيب الموت العاجل ، وإذا ابيضّ زرع صبّحته المناجل ، والمعتبر الآجل ، وإذا اشتغل الشيخ بغير معاده ، حكم في الظاهر بإبعاده ، وأسره في ملكة عاده ، فأغض أبقاك اللّه واسمح ، لمن قصّر عن المطمح ، وبالعين الكليلة فالمح ، واغتنم لباس ثوب الثواب ، واشف بعض الجوى بالجواب ، تولّاك اللّه تعالى فيما استضفت وملكت ، ولا بعدت ولا هلكت ، وكان لك آية سلكت ، ووسمك من السعادة بأوضح السّمات ، وأتاح لقاءك من قبل الممات ، والسلام الكريم يعتمد جلال ولدي ، وساكن خلدي ، بل أخي وإن عتبته وسيدي ، ورحمة اللّه تعالى وبركاته » ؛ انتهى .
قلت : هذه الرسالة الرافلة في حلل البلاغة لم أر مثلها ولم أقف عليه ، فرحم اللّه تعالى لسان الدين ووجّه سحائب الرحمة إليه ! فلقد كان آية اللّه في النظم والنثر وجميع العلوم على اختلافها .
هامش
( 1 ) في ب « بهذه » .
( 2 ) البرذون : دابة الحمل الثقيل ، أو الخيل التركي .
( 3 ) حال الجريض دون القريض : أي حالت الغصة في الحلق دون قول الشعر . وهو من قول عبيد بن الأبرص .
( 4 ) في ب « ونصلت الشعرات البيض » .
( 5 ) الأسل : الرماح ، وكل حديد رهيف من سيف أو سكين ومن قولهم : جمع بين اليراع والأسل أي بين القلم والسيف .