قال القاضي أبو البركات بن الحاج : وابتلي باختصار كتب الناس ، فمن ذلك مختصره المسمّى « الدرر الموسومة ، في اشتقاق الحروف المرسومة » وكتاب حكايات يسمى « دوحة الجنان ، وراحة الجنان » وغير ذلك .
قال أبو البركات : وسألته عن مولده ، فقال : لي اليوم ستون سنة ، وقال ذلك ليلة الخميس السابع والعشرين لذي قعدة عام أربعين وسبعمائة ، وتوفي آخر رمضان من عام تسعة وأربعين ، رحمه اللّه تعالى ! انتهى .
رجع - قال لسان الدين في « الإكليل » في ترجمة الكاتب صاحب العلامة أبي العباس أحمد بن علي الملياني المراكشي ما نصّه : « الصارم الفاتك ، والكاتب الباتك « 1 » ، أيّ اضطراب في وقار ، وتجهّم تحته أنس العقار ! اتّخذه ملك المغرب صاحب علامته ، وتوّجه تاج كرامته ، وكان يطالب جملة من أشياخ مراكش بثأر عمّه ، ويطوّفهم « 2 » دمه بزعمه ، ويقصر على الاستنصار منهم بنات همّه ، إذ سعوا فيه حتى اعتقل ، ثم جدّوا في أمره حتى قتل ، فترصّد كتابا إلى مراكش يتضمّن أمرا جزما ، ويشمل من أمور الملك عزما ، جعل فيه الأمر بضرب رقابهم ، وسبي أسبابهم ، ولمّا أكّد على حامله في العجل ، وضايقه في تقدير الأجل ، تأنّى حتى علم أنه قد وصل ، وأنّ غرضه قد حصل ، فرّ إلى تلمسان وهي بحال حصارها ، فاتّصل بأنصارها ، حالا بين أنوفها وأبصارها ، وتعجّب من فراره ، وسوء اغتراره ، ورجّمت الظنون « 3 » في آثاره .
ثم وصلت الأخبار بتمام الحيلة ، واستيلاء القتل على أعلام تلك القبيلة ، فتركها شنيعة على الأيام ، وعارا في الأقاليم على حملة الأقلام ، وأقام بتلمسان إلى أن حلّ مخنّق حصرها ، وأزيل هميان الضيقة عن خصرها ، فلحق بالأندلس ولم يعدم برّا ، ورعيا مستمرّا ، حتى أتاه حمامه « 4 » ، وانصرمت أيامه » ؛ انتهى .
والمذكور ترجمه في « الإحاطة » بقوله : صاحب العلامة بالمغرب ، الكاتب الشهير البعيد الشأو « 5 » في اقتضاء التّرة ، المثل المضروب في الهمّة ، وقوة الصريمة ، ونفاذ العزيمة .
حاله - كان نبيه البيت ، شهير الأصالة ، رفيع المكانة ، على سجيّة غريبة من الوقار والانقباض والصمت ، آخذا بحظّ من الطبّ ، حسن الخطّ ، مليح الكتابة ، قارضا للشعر ، تذهب نفسه فيه كلّ مذهب .
هامش
( 1 ) في الأصل : الباتك : القاطع .
( 2 ) في ب « ويطوقهم » .
( 3 ) رجمت الظنون : أي تكلم فيها بالظن . وأصل الرجم : الرمي بالحجارة .
( 4 ) الحمام : الموت .
( 5 ) الشأو : الغاية .