فهو كالجزّار فيهم * يذكر اللّه ويذبح
[ وفي ترجمة أبي عبد اللّه بن باق ]
رجع - وقال لسان الدين في ترجمة أبي عبد اللّه بن باق من « التاج » ما صورته : « مدير أكؤس البيان المعتّق ، ولعوب بأطراف الكلام المشقّق ، انتحل لأول أمره الهزل من أصنافه ، فأبرز درّ معانيه من أصدافه ، وجنى ثمرة الإبداع لحين قطافه . ثم تجاوزه إلى المغرب وتخطّاه ، فأدار كأسه المترع « 1 » وعاطاه ، فأصبح لفنّيه جامعا ، وفي فلكية شهابا لامعا ، وله ذكاء يطير شرره ، وإدراك تتبلّج غرره ، وذهن يكشف الغوامض ، ويسبق البارق الوامض « 2 » ، وعلى ذلاقة لسانه ، وانفساح أمد إحسانه ، فشديد الصبابة بشعره ، معل لسعره » ؛ انتهى .
والمذكور هو محمد بن إبراهيم بن علي باق الأموي ، مرسيّ الأصل ، غرناطيّ النشأة ، مالقيّ الاستيطان .
وقال في « عائد الصلة » : « كان رحمه اللّه تعالى كاتبا أديبا ذكيا لوذعيّا « 3 » يجيد الخطّ ويرسل النادرة ، ويقدم على العمل ، ويشارك في الفريضة ، وبذّ السّبّاق في الأدب الهزلي المستعمل بالأندلس ، غبر زمانا من عمره محارفا للفاقة ، يعالج بالأدب الكدية « 4 » ، ثم استقام له الميسم ، وأمكنه البخت من امتطاء غاربه ، فأنشبت الحظوة فيه أناملها بين كاتب وشاهد ومحاسب « 5 » ومدير تجر ، فأثرى ونما ماله ، وعظمت حاله ، عهد عندما شارف الرحيل بجملة تناهز الألف من العين ، لتصرف في وجوه من البرّ ، فتوهّم أنها كانت زكاة أمسك بها » ؛ انتهى .
وقال أيضا : أخبرني الكاتب أبو عبد اللّه بن سلمة أنه خاطبه بشعر أجابه عنه بقوله في رويّه : [ الخفيف ]
أحرز الخصل من بني سلمه * كاتب تخدم الظّبا قلمه
يحمل الطّرس من أنامله * أثر الحسن كلّما رقمه
ويمدّ البيان فكرته * مرسلا حيث يممت ديمه « 6 »
خصّني متحفا بخمس إذا * بسم الرّوض فقن مبتسمه
هامش
( 1 ) المترع : الملئ .
( 2 ) الوامض : المضيء .
( 3 ) اللوذعي : المتوقد الذهن ، الذكي ، الفصيح اللسان .
( 4 ) الكدية : السؤال .
( 5 ) في ب « وحاسب » .
( 6 ) يممت : اتجهت وقصدت . والديم : جمع ديمة - بكسر الدال - هو المطر الدائم الذي لا ينقطع .