طريقك لا تخفى به إن تتبّعت * خطاك ولا يخفى مبيتك فيه
متاعك منشور على كلّ خيمة * ورؤياك أمن من ترفّع تيه
المعرفة عين إن لم تبصر أجزاءها ، أحسن اللّه عزاءها ، وحقيقة إن لم يجعل الفراق إزاءها ، كانت الغيرة جزاءها ، فهي دائرة مركزها يجمع ، ومحيطها في التفريق يطمع ، يستقلّ الملك أجمع ، ويرى من يرى ويسمع من يسمع : [ الكامل ]
بعد المحيط من المحدّد واحد * والكلّ في حقّ الوجود سواء
والحقّ يعرف ذاته من ذاته * صحّ الهوى فتلاشت الأهواء
المعرفة صعود ونزول ، ووقوف ووصول ، فلا الوصول عن البداية يقطع ، ولا البداية عن النهاية تمنع : [ السريع ]
من له الأمر أجمع * كلّ ما شاء يصنع
حصل القصد واستقرّ * فلم يبق مطمع
العارف في البداية يشكر الراكع والساجد ، ثم يعذر الواجد والمتواجد ، ثم يرجم المنكر الجاحد ، فإذا انتهى وردّ العدد إلى الواحد ، قال لسان حاله : [ مجزوء السريع ]
من رأى لي نشيدة * أو على عينها أثر
فله الحكم قل له * ذهب العين والأثر « 1 »
إلى أن قال : قال الرئيس : العارف هشّ بش بسّام ، فيجلّ الصغير من تواضعه مثل ما يجلّ الكبير ، ويبسط من الخامل مثل ما يبسط من النبيه ، ثم علّل فقال : وكيف لا يهشّ وهو فرحان بالحقّ ، وبكلّ شيء فإنه يرى فيه الحقّ
إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ
[ سورة يوسف ، الآية :
94 ] : [ الخفيف ]
لمعت نارهم وقد عسعس اللي * ل وضجّ الحادي وحار الدليل
فتأمّلتها وقلت لصحبي * هذه النار نار ليلى فميلوا
العارف شجاع ، وكيف لا وهو بمعزل عن هيبة الموت ، وجواد ، وكيف لا وهو بمعزل عن صحبة الباخل ، وصفّاح ، وكيف لا ونفسه أكبر من أن تحرجها زلة بشر ، ونسّاء للأحقاد « 2 » ، وكيف لا وذكره مشغول بالحقّ ، وقالوا : من عرف اللّه تعالى صفا له العيش ،
هامش
( 1 ) إشارة إلى المثل « . . . أثرا بعد عين » .
( 2 ) نسّاء : كثر النسيان .