ولولا أبو عمرو وجود بنانه * لما كان في هذا الزمان معين
وقال : [ الكامل ]
زار الخيال ويا لها من لذّة * لكنّ لذّات الخيال منام
ما زلت ألثم مبسما منظومه * درّ ومورده الشّهيّ مدام « 1 »
وأضمّ غصن البان من أعطافه * وأشمّ مسكا فضّ عنه ختام
مولده عام ستة وسبعمائة ، وتوفي بفاس ، وقد تخلّفه السلطان كاتب ولده عند توجّهه لإفريقية في العشرين من رمضان عام ثمانية وخمسين وسبعمائة ، رحمه اللّه تعالى ! .
وقد وهم لسان الدين في شهر وفاة المذكور ، وإنما الصواب أنه توفي يوم الأحد ثامن شوّال ، فاعلم ذلك ، واللّه سبحانه أعلم .
[ وفي ترجمة شيخه أبي الحسن بن الجياب ]
رجع - وقال في « التاج المحلّى ، في مساجلة القدح المعلّى » وفي « الإكليل الزاهر ، فيمن فضل عند نظم التاج من الجواهر » وغيرهما ممّا ثبت في حلى رؤساه الكتّاب ، وحاملي ألوية الآداب ، في ترجمة شيخه ابن الجياب ، ما نصه : « صدر الصدور الجلّة ، وعلم أعلام هذه الملّة ، وشيخ الكتابة وبانيها ، وهاصر أفنان البدائع وجانيها ، اعتمدته الرياسة فناء بها على حبل ذراعه ، واستعانت به السياسة فدارت أفلاكها على قطب من شباة يراعه « 2 » ، فتفيّأ للعناية ظلا ظليلا ، وتعاقبت الدول فلم تر به بديلا ، من ندب « 3 » على علوّه متواضع ، وحبر لثدي المعارف راضع ، لا تمرّ مذاكرة في فن إلا وله فيه التبريز ، ولا تعرض جواهر الكلام على محكات الأفهام إلّا وكلامه الإبريز « 4 » ، حتى أصبح الدهر راويا لإحسانه ، وناطقا بلسانه ، وغرّب ذكره وشرّق ، وأشأم وأعرق ، وتجاوز البحر الأخضر والخليج الأزرق ، إلى نفس هذبت الآداب شمائلها ، وجادت الرياضة خمائلها ، ومراقبة لربّه ، واستنشاق لروح اللّه من مهبّه ، ودين لا يعجم عوده ، ولا تخلف وعوده ، وكلّ ما ظهر علينا - معشر بنيه - من شارة تجلى بها العين ، أو إشارة كما سبك اللّجين ، فهي إليه منسوبة ، وفي حسناته محسوبة ، فإنما هي أنفس راضها بآدابه ، وأعلقها بأهدابه ، وهذّب طباعها ، كالشمس تلقي على النجوم شعاعها ، والصور الجميلة ، تترك في الأجسام الصقيلة انطباعها ، وما عسى أن أقول في إمام الأئمة ، ونور
هامش
( 1 ) أراد بمنظومه أسنانه ، شبهها بالدر ، وأراد بمورده رضابه ، شبهه بالمدام وهي الخمر .
( 2 ) اليراع : القلم وأراد بشباته طرفه الذي يكتب به ، وأصل الشباة طرف الرمح ونحوه .
( 3 ) الندب - بفتح النون وسكون الدال - الذي يندب للأمر فيخف لقضائه .
( 4 ) الإبريز : الذهب الخالص .