الغرناطي ما صورته : اللّسن « 1 » العارف ، الناقد لجواهر المعاني كما يفعل بالسكة الصيارف ، والأديب المجيد ، الذي تحلّى به للعصر النحر والجيد ، إن أجال جياد براعته فضح فرسان المهارق ، وأخجل بين بياض طرسه وسواد نقسه « 2 » الطّرر تحت المفارق ، وإن جلا أبكار أفكاره ، وأنار طير البيان من أوكاره ، سلب الرحيق المقدّم فضل إسكاره ، إلى نفس لا يفارقها ظرف ، وهمّة لا يرتدّ إليها طرف ، وإبانة لا يفلّ لها غرب ولا حرف . وله أدب غضّ ، زهره على مجتنيه منفض ، كتبت إليه أستنجز وعده في الإتحاف برائقه ، والإمتاع بزهر حدائقه ، قولي : [ الكامل ]
عندي لموعدك افتقار محرج * وعهودك افتقرت إلى إنجازها
واللّه يعلم فيك صدق مودّتي * وحقيقة الأشياء غير مجازها
فأجابني بقوله : [ الكامل ]
يا مهدي الدّرّ الثمين منظّما * كلما حلال السحر في إيجازها
أدركت حلبات الأوائل وانيا * ورددت أولاها على أعجازها
أحرزت في المضمار خصل سباقها * ولأنت أسبقهم إلى إحرازها « 3 »
حلّيت بالسّمطين مني عاطلا * وبعثت من فكري فتاة مفازها
فلأنجزنّ مواعدي مستعطفا * فاسمح ، وبالإغضاء منك فجازها
وقال في « الإحاطة » في حقّ المذكور : إنه من أهل الفضل والسّراوة والرجولة والجزالة .
فذّ في الكفاية ، ظاهر السذاجة والسلامة ، مصعب لأضداده ، شديد العصبية لأولي وداده ، يشتمل على خلال من خطّ بارع وكتابة حسنة وشعر جيد ومشاركة في فقه وأدب ووثيقة ومحاضرة ممتعة . ناب عن بعض القضاة وكتب الشروط ، وارتسم في ديوان الجند ، وكتب عن شيخ الغزاة أبي زكريا يحيى بن عمر على عهده ، ثم انصرف إلى العدوة سابع عشر جمادى الأولى من عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة ، فارتسم في الكتاب السلطانية منوّها به ، مستعملا في خدم مجدية بان غناؤه فيها وظفرت كفايته ، انتهى .
هامش
( 1 ) اللسن : الفصيح .
( 2 ) الطرس : الصحيفة . والنقس : الحبر .
( 3 ) أحرزته : أي حزته وأخذته .
والمضمار ، هنا : المكان الذي تجري فيه خيل الحلبة . والخصل - بالفتح : الخطر الذي يراهن عليه في النضال .