من ذلك الفريق ، فليهنك أيها الابن الذكي ، البرّ الزكي ، الحبيب الحفيّ « 1 » ، الصفيّ الوفيّ ، أنك حامل رايته ، وواصل غايته ، ليس أوّلوه وآخروه لذلك بمنكرين ، ولا تجد أكثرهم شاكرين . ولولا أن يطول الكتاب ، وينحرف الشعراء والكتّاب ، لفاضت ينابيع هذا الفضل فيضا ، وخرجت إلى نوع آخر من البلاغة أيضا ، قرّت عيون أودّائك « 2 » ، وملئت غيظا صدور أعدائك ، ورقيت درج الآمال ، ووقيت عين الكمال ، وحفظ منصبك العالي ، بفضل ربّك الكبير المتعالي . والسلام الأتمّ الأنمّ الأكمل الأعمّ ، يخصّك به من طال في مدحه إرقالك « 3 » وإغذاذك ، وارد روض حمدك وإبلك وطلّك ورذاذك ، وغدت مصالح سعيه في سعي مصالحك ، وسينفعك بحول اللّه وقوته وفضله ومنّته معاذك ، ووسمت نفسك بتلميذه فسمت نفسه بأنه أستاذك ، ابن هانىء ، ورحمة اللّه تعالى وبركاته » .
وكانت وفاته شهادة في أواخر ذي القعدة عام ثلاثة وسبعمائة ، ورثاه شيخنا أبو القاسم الحسني بقصيدة أثبتت في اسمه منها : [ الطويل ]
سقى اللّه بالخضراء أشلاء سؤدد * تضمّنهنّ التّرب صوب الغمائم
ورثاه شيخنا أبو بكر بن شبرين فقال : [ مجزوء الكامل ]
قد كان ما قال البريد * فاصبر فحزنك لا يفيد
أودى ابن هانىء الرّضى * فاعتادني للثّكل عيد
بحر العلوم وصدرها * وعميدها إذ لا عميد
قد كان زينا للوجو * دففيه قد فجع الوجود
العلم والتحقيق والت * وفيق والحسب التليد
تندى خلائقه فقل * فيها هي الروض المجود « 4 »
مغض عن الإخوان لا * جهم اللقاء ولا كنود « 5 »
أودى شهيدا باذلا * مجهوده ، نعم الشهيد
هامش
( 1 ) الحفي : في الأصل : الذي يبالغ في السؤال عن الشيء . وفي القرآن الكريميَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها.
( 2 ) الأودّاء : المخلصون الودّ .
( 3 ) الإرقال والإعذاذ : ضربان من السير السريع .
( 4 ) المجود : الذي جاده المطر .
( 5 ) الكنود : كافر النعمة ، العاصي ، البخيل .