قلبا « 1 » ، وهصرت حدائقه غلبا ، وارتكبت رويّه صعبا ، ونثار أتبعته له خديما ، وصيّرته لمدير كأسه نديما ، ولحفظه ذمامه المداميّ أو مدامه الذماميّ مديما ، لقد فتنتني حين أتتني ، وسبتني حين هبتني « 2 » ، فذهبت خفّتها بوقاري ، ولم يرعها بعد شيب عذاري ، بل دعت للتصابي فقلت مرحبا ، وحللت لفتنتها الحبا ، ولم أحفل بشيب ، وألفيت ما ردّ تصابي نصيب ، وإن كنّا فرسي رهان ، وسابقي حلبة ميدان ، غير أنّ الجلدة بيضاء ، والمرجوّ الإغضاء بل الإرضاء . بنيّ ، كيف رأيت للبيان هذا الطّوع ، والخروج فيه من نوع إلى نوع ؟ أين صفوان بن إدريس ، ومحلّ دعواه بين رحلة وتعريس « 3 » ؟ كم بين ثغاء بقر « 4 » الفلاة وبين ليث الفريس « 5 » ؟ كما أني أعلم قطعا وأقطع علما ، وأحكم مضاء وأمضى حكما ، أنه لو نظر إلى قصيدتك الرائقة ، وفريدتك الحالية الفائقة ، المعارضة بها قصيدته ، المنتسخة بها فريدته ، لذهب عرضا وطولا ، ثم اعتقد لك اليد الطولى ، وأقرّ فارتفع النزاع ، وذهبت له تلك العلامات « 6 » والأطماع ، ونسي كلمته اللؤلؤية ، ورجع عن دعواه الأدبية ، واستغفر ربّه من تلك الإلهيّة « 7 » . بنيّ وهذا من ذلك ، من الجري « 8 » في تلك المسالك ، والتّبسّط في تلك المآخذ والمتارك ، أينزع غيري هذا المنزع ؟ أم المرء بنفسه وابنه مولع ؟ حيا اللّه الأدب وبنيه ، وأعاد علينا من أيامه وسنيه ! ما أعلى منازعه ، وأكبى منازعه ، وأجلّ مآخذه ، وأجهل تاركه وأعلم آخذه ، وأرقّ طباعه ، وأحقّ أشياعه وأتباعه « 9 » ، وأبعد طريقه ، وأسعد فريقه ، وأقوم نهجه ، وأوثق نسجه ، وأسمح ألفاظه ، وأفصح عكاظه ، وأصدق معانيه وألفاظه ، وأحمد نظامه ونثاره ، وأغنى شعاره ودثاره ، فعائبه مطرود ، وعاتبه مصفود « 10 » ، وجاهله محصود ، وعالمه محسود ، غير أنّ الإحسان فيه قليل ، ولطريق الإصابة فيه علم ودليل ، من ظفر بهما وصل ، وعلى الغاية القصوى منه حصل ، ومن نكب عن الطريق ، لم يعدّ
هامش
( 1 ) القلب : السوار .
( 2 ) في ب « أطبتني » .
( 3 ) التعريس : النزول ليلا للراحة من وعثاء السفر .
( 4 ) الثغاء - بضم الثاء - الصوت . وأصله صوت الشاء والمعز وما شاكله ، فأما صوت البقر فهو الخوار - بضم الخاء .
( 5 ) في ب « ليث ذي الفريس » .
( 6 ) في ب « تلك العلاقات » .
( 7 ) في ب « من تلك الألية » .
( 8 ) في ب « من ذلك الجري » .
( 9 ) الأشياع : الموالون والأتباع .
( 10 ) مصفود : مكبل بالأصفاد .