أعدّه خير أعياد الزمان إذا * أوطاني السعد فيه ترب أوطاني
أرأيت كيف ارتياحي إلى التّذكار ، وانقيادي إلى معلّلات توهّمات الأفكار ؟ كأنّ البعد باستغراقها قد طويت شقّته ، وذهبت عني مشقّته ، وكأني بالتّخيّل بين تلك الخمائل أتنسّم صباها ، وأتسنّم رباها « 1 » ، وأجتني أزهارها ، وأجتلي أنوارها ، وأجول في خمائلها ، وأتنعّم ببكرها وأصائلها ، وأطوف بمعالمها ، وأتنشّق أزهار كمائمها ، وأصيخ بأذن الشوق إلى سجع حمائمها ، وقد داخلتني الأفراح ، ونالت مني نشوة الارتياح ، ودنا السرور لتوهّم ذهاب الأتراح ، فلمّا أفقت من غمرات سكري ، ووثبت من هفوات فكري ، وجدت مرارة ما شابه لي في استغراق دهري ، وكأني من حينئذ عالجت وقفة الفراق ، وابتدأت منازعة الأشواق ، وكأنما أغمضني النوم ، وسمح لي بتلك الفكرة الحلم : [ الكامل ]
ذكر الديار فهاجه تذكاره * وسرت به من حينه أفكاره
فاحتلّ منها حيث كان حلوله * بالوهم منها واستقرّ قراره
ما أقرب الآمال من غفواته * لو أنها قضيت بها أوطاره
فإذا جئتها أيها القادم ، والأصيل قد خلع عليها بردا مورّسا ، والربيع قد مدّ على القيعان منها سندسا ، فاتّخذها - فديتك - معرّسا « 2 » ، واجرر ذيولك فيها متبخترا ، وبثّ فيها من طيب نفحاتك عنبرا ، وافتق عليها من نوافج « 3 » أنفاسك مسكا أذفرا ، واعطف معاطف بأنها ، وأرقص قضب ريحانها ، وصافح صفحات نهرها ، ونافح نفحات زهرها « 4 » ، هذه كلّها أمارات ، وعن أسرار مقاصدي عبارات ، هنالك تنتعش بها صبابات ، تعالج صبابات ، تتعلّل بإقبالك ، وتعكف على لثم أذيالك ، وتبدو لك في صفة الفاني المتهالك ، لاطفها بلطافة اعتلالك ، وترفّق بها ترفّق أمثالك ، فإذا مالت بهم إلى هواك الأشواق ، ولووا إليك الأرؤس والأعناق ، وسألوك عن اضطرابي في الآفاق ، وتقلّبي بين الإشآم والإعراق ، فقل لهم : عرض له في أسفاره ، ما يعرض للبدر في سراره ، من سرار السرار ، ولحاق المحاق ، وقد تركته وهو يسامر الفرقدين ، ويساير النّيّرين ، وينشد إذا راعه البين : [ البسيط ]
وقد نكون وما يخشى تفرّقّنا * فاليوم نحن ، وما يرجى تلاقينا
هامش
( 1 ) أتسنّم رباها : أعلوها ، أرتفع إليها .
( 2 ) المعرس - بضم الميم وفتح العين وتشديد الراء مفتوحة - مكان النزول ليلا .
( 3 ) النوافج : أوعية المسك ، واحدها نافجة .
( 4 ) نافح : أمر من المنافحة ، والمراد بها هنا المغالبة في إظهار الريح ليظهر أيهما أعتق وأظهر أريجا .