قلبي لفراقه خفق ، وإن تلألأ برق فعن حر حشاي ائتلق ، وإن سحّت السّحب فمساعدة لجفني « 1 » ، وإن طال بكاؤها فعنّي ، حيّاها اللّه تعالى منازل ، لم تزل بمنظوم الشمل أواهل ، وحين انتثرت نثرت أزهارها أسفا ، ولم تثن الريح من أغصانها معطفا ، أعاد اللّه تعالى الشمل فيها إلى محكم نظامه ، وجعل الدهر الذي فرّقه يتأنّق في أحكامه ، وهو سبحانه يجبر الصّدع ، ويعجّل الجمع ، إنه بالإجابة جدير ، وعلى ما يشاء قدير .
إيه بنيّ ، كيف حال من استودعتهم أمانتك ، وألزمتهم صونك وصيانتك ، وألبستهم نسبك ، ومهّدت لهم حسبك ؟ اللّه في حفظهم فهو اللائق بفعالك ، والمناسب لشرف خلالك ، ارع لهم الاغتراب لديك ، والانقطاع إليك ، فهم أمانة اللّه تعالى في يديك ، وهو سبحانه يحفظك بحفظهم ، ويوالي بلحظك أسباب لحظهم ، وإن ذهبتم إلى معرفة الأحوال ، فنعم اللّه تعالى ممتدة الظلال ، وخيراته وارفة السّربال ، لولا الشوق الملازم ، والوجد الذي سكن الحيازم » .
[ من إنشائه في ترجمة أبي بكر محمد بن مقاتل المالقي ]
وقال في « الإكليل » في ترجمة أبي بكر محمد بن محمد بن عبد اللّه بن مقاتل المالقي ما نصّه : نابغة مالقية ، وخلف وبقية ، ومغربي الوطن أخلاقه مشرقية . أزمع الرحيل « 2 » إلى المشرق ، مع اخضرار العود وسواد المفرق « 3 » ، فلمّا توسّطت السفينة اللّجج ، وقارعت الثّبج « 4 » ، هال عليها البحر فسقاها كأس الحمام ، وأولدها قبل التمام ، وكان فيمن اشتملت عليه أعوادها ، وانضمّ على نوره سوادها ، من جملة الطلبة والأدباء ، وأبناء السراة الحسباء ، أصبح كلّ منهم مطيعا ، لداعي الردى وسميعا ، وأحيوا فرادى وماتوا جميعا ، فأجروا الدموع حزنا ، وأرسلوا العبرات « 5 » عليهم مزنا ، وكأنّ البحر لما طمس « 6 » سبيل خلاصهم وسدّها ، وأهال هضبة سفينتهم وهدّها ، غار على نفوسهم النفيسة فاستردّها . والفقيه أبو بكر مع إكثاره ، وانقياد نظامه ونثاره ، لم أظفر من أدبه إلّا بالقليل التافه ، بعد وداعه وانصرافه . فمن ذلك قوله وقد أبصر فتى عاثرا : [ الكامل ]
ومهفهف هافي المعاطف أحور * فضحت أشعّة نوره الأقمارا
زلّت له قدم فأصبح عاثرا * بين الأنام لعا لذاك عثارا « 7 »
لو كنت أعلم ما يكون فرشت في * ذاك المكان الخدّ والأشفارا « 8 »
هامش
( 1 ) سحت : سكبت .
( 2 ) أزمع الرحيل : عزم عليه .
( 3 ) اخضرار العود ، وسواد المفرق : كنايتان عن الشباب .
( 4 ) الثبج - بالتحريك - الموج .
( 5 ) العبرات : الدموع .
( 6 ) طمس : محا ، أزال الأثر .
( 7 ) « لعا » كلمة دعاء لمن عثر ، ومعناها « أنعشه اللّه » .
( 8 ) الأشفار : أهداب العيون .