لم يفارق وعثاء الأسفار « 1 » ، ولا ألقى من يده عصا التّسيار ، يتهاداه الغور والنجد ، ويتداوله الإرقال والوخد « 2 » ، وقد لفحته الرّمضاء ، وسئمه الإنضاء ، فالجهات تلفظه ، والآكام تبهظه ، يحمل همومه الرواسم ، وتحياته البواسم : [ البسيط ]
لا يستقرّ بأرض حين يبلغها * ولا له غير حدو العيس إيناس « 3 »
ثم إذا استوفوا سؤالك عن حالي ، وتقلّبي بين حلّي وترحالي ، وبلغت القلوب منهم الحناجر ، وملأت الدموع المحاجر ، وابتلّت ذيولك بمائها ، لا بل تضرّجت بدمائها ، فحيّهم عني تحيّة منفصل ، وداع مرتحل ، ثم اعطف عليك ركابك ، ومهّد لهم جنابك ، وقل لهم إذا سألني عن المنازل بعد سكانها ، والربوع بعد ظعن أظعانها ، بماذا أجيبه ؟ وبماذا يسكن وجيبه « 4 » ، فسيقولون لك هي البلاقع المقفرات « 5 » ، والمعارف التي أصبحت نكرات : [ السريع ]
صمّ صداها وعفا رسمها * واستعجمت عن منطق السائل
قل لهم : كيف الروض وآسه ؟ وعمّ تتأرّج أنفاسه ؟ عهدي به والحمام يردّد به أسجاعه ، والذباب يغني به هزجا فيحكّ بذراعه ذراعه ، وغصونه تعتنق ، وأحشاء جداوله تصطفق ، وأشجاره تتنسّم ، وآصاله تتوسّم ، كما كانت بقية نضرته ، وكما عهدتها أنيقة خضرته ، وكيف التفاته عن أزرق نهره ، وتأنّقه في تكليل إكليله بيانع زهره ، وهل رقّ نسيم أصائله ، وصفت موارد جداوله ؟ وكيف انفساح ساحاته ، والتفاف دوحاته ؟ وهل تمتدّ كما كانت مع العشيّ فينانة سرحاته ؟ عهدي بها المديدة الظلال ، المزعفرة السّربال ، لم تحدّق « 6 » الآن به عيون نرجسه ، ويمدّ بساط سندسه ؟ وأين منه مجالس لذاتي ، ومعاهد غدواتي وروحاتي ؟ إذ أباري في المجون لمن أباري ، وأسابق إلى اللّذّات كلّ من أجاري . فسيقولون لك : ذوت أفنانه « 7 » ، وانقصفت أغصانه ، وتكدّرت غدرانه ، وتغيّر روحه وريحانه ، وأقفرت معالمه ، وأخرست حمائمه ، واستحالت حلل خمائله ، وتغيّرت وجوه بكره وأصائله ، فإن صلصل حنين رعد فعن
هامش
( 1 ) وعثاء السفر : مشقته .
( 2 ) الإرقال والوخد : ضربان من السير السريع .
( 3 ) العيس : النوق .
( 4 ) الوجيب : الخفقان .
( 5 ) البلاقع : جمع بلقع ، وهو الأرض الخالية .
( 6 ) في ب « وهل تحدق » .
( 7 ) الأفنان : جمع فنن ، وهو الغصن .