تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
القطمير والنّقير ، أتاه قاطع الأجل ، فحنّ ركابه فأقضى العجل ، وصدرت عنه أبيات خضم فيها وقضم ، وحصل تحت القدر المشترك مع من نظم . وقال في آخر : كركدن حلبة الآداب « 1 » ، وسنّور عبد اللّه بيع بقيراط لمّا شاب ، هام بوادي الشعر مع من هام ، واستمطر منها الجهام « 2 » ، فجاء بأبيات أوهى « 3 » من بيت العنكبوت نسجا ، ومقاصد لا تبين قصدا ولا نهجا ، وله بيت معمور بقضاة أكابر ، فرسان أقلام ومحابر ، وعمال قادوا الدهر بأزمّة أزمّتهم ، وفرعوا الزهر بهمّتهم « 4 » ، وتكاثرت عليه رحمه اللّه الإحن ، وتعاورته المحن ، وتصرّف آخر عمره في بعض الأعمال المخزنية فتعلّل بنزر القوت ، إلى الأجل الموقوت . وقال في آخر : معدود في وقته من أدبائه ، ومحسوب في أعيان بلده وحسبائه ، كان رحمه اللّه تعالى من أهل العدالة والخير ، سائرا على منهج الاستقامة أحسن السّير ، وله أدب لا يقصر عن السداد ، وإن لم يكن بطلا فمن يكثر السواد ، قد أثبتّ له ما عثرت عليه ، ممّا ينسب الناس إليه . وقال في آخر : معتر غير قانع « 5 » ، ومنجع كلّ شهم وخانع ، نشأ ببلده مالقة أبرع من أورد اليراعة في نقس ، وهزّ غصنها في روضة طرس « 6 » ، إلّا ما كان من سخافة عقله ، وقعوده تحت المثل « اخبر تقله » « 7 » لا يرتبط إلى رتبة ، ولا ينتمي إلى عصبة ، ولا يتلبّس بسمت ، ولا يستقيم من أمت « 8 » ، أخبرني من عني بخبره ، وذكر عبره ، من صباه إلى كبره ، أنه رشح في بعض الدول ، وعرض لاكتساب الخيل والخول ، وخلعت عليه كسوة فاخرة ، وشارة بزهر الرياض ساخرة ، فانقاد طوع حرمانه ، ونبذ صفقة زمانه ، وحمله فرط النّهم ، على أن ابتاع في حجره طعاما كثير الدّسم ، وأقبل وأذياله منه تقطر ، كما اختلفت باللبن الأشطر ، فطرد ونبذ ، وطرح بعد ما جبذ ، لقيته بمالقة وقد قلب له زمانه عينيه ، وسقط في يديه ، فانتابني بأمداحه ، وتعاورني بأجاجه وأقراحه .
هامش
( 1 ) في ب « كودن حلبة الآداب » . ( 2 ) الجهام : السحاب الذي لا مطر معه . ( 3 ) أوهى : أضعف . ( 4 ) الزهر : جمع زهراء ، وهي النجمة المنيرة . وفرعوا الزهر : علوها وارتفعوا فوقها . ( 5 ) المعتر : الذي يتعرض للسؤال . ( 6 ) النقس : الحبر . والطرس : الصحيفة . ( 7 ) هذا مثل ؛ واخبر : جرب وامتحن : وتقله : تكرهه . ( 8 ) الأمت : الاعوجاج .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 322 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي