تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
وقال في آخر : أديب نار فكره تتوقّد ، وأريب لا يعترض كلامه ولا ينقد ، أمّا الهزل فهو طريقته المثلى ، ركض في ميدانها وجلّى « 1 » ، وطلع في أفقها وتجلّى ، فأصبح علم أعلامها ، وعابر أحلامها ، إن أخذ بها في وصف الكاس ، وذكر الورد والآس ، وألمّ بالربيع وفصله ، والحبيب ووصله ، والروض وطيبه ، والغمام وتقطيبه ، شقّ الجيوب طربا ، وعلّ النفوس شربا وضربا ، وإن ابتغى لاعتلال العشيّة ، في فرش الربيع الموشيّة ، ثم تعدّاها إلى وصف الصّبوح ، وأجهز على الزقّ المجروح ، وأشار إلى نغمات الورق ، يرفلن في الحلل الزّرق ، وقد اشتعلت في عنبر الليل نار البرق ، وطلعت بنود الصباح في شرفات الشرق ، سلب الحليم وقاره ، وذكّر الخليع كأسه وعقاره ، وحرّك الأشواق بعد سكونها ، وأخرجها من ركونها ، بلسان يتزاحم على موارد الخيال ، ويتدفّق من حافاته الأدب السّيّال ، وبيان يقيم أود المعاني « 2 » ، ويشيد مصانع اللفظ محكمة المباني ، ويكسو حلل الإحسان جسوم المثالث والمثاني ، إلى نادرة لمثلها يشار ، ومحاضرة يجنى بها الشهد ويشار « 3 » ، وقد أثبتّ من شعره المعرب وإن كان لا يتعاطاه إلّا قليلا ، ولا يجاور إلّا تعليلا ، أبياتا لا تخلو من مسحة جمال على صفحاتها ، وهبّة طيب ينمّ في نفحاتها . وقال أيضا في آخر : ظريف السجيّة ، كثير الأريحيّة ، ارتحل من لورقة فتحها اللّه تعالى واتّخذ ألمرية دارا ، وألف بها استقرارا ، إلى أن دعاه بها داعيه وقام فيها ناعيه . وقال في وصف آخر : شيخ أخلاقه ليّنة ، ونفسه - كما قيل في نفس المؤمن - هيّنة ، ينظم الشعر عذبا مساقه ، محكما اتّساقه ، على قاقة وحال مالها من إفاقة ، أنشد المقام الكريم بظاهر بلده قصيدة استغرب منها مترعها « 4 » ، واستعذب من مثله مشرعها . وقال في آخر : من أئمة أهل الزمام ، خليق برعي الميثاق « 5 » والذّمام ، ذو خطّ كما تفتّح زهر الكمام ، وأخلاق أعذب من ماء الغمام ، كان ببلده رحمه اللّه تعالى بدار إشرافه محاسبا ، ودرّة في لجّة الإغفال راسبا ، صحيح العمل ، يلبس الطروس من براعته حسن الحلل ، وله شعر لا بأس به ، ولا خفاء بفضل مذهبه . وقال في آخر : خير من استبق إلى داعي الفلاح استباقا ، وانتمى إلى القوم الذين هم في الآخرة أطول أعناقا ، وإن كانوا في الدنيا أضيق أرزاقا ، مردّد أذكار ، ومسبّح أسحار ، وعامر
هامش
( 1 ) جلى : سبق . ( 2 ) أود المعاني : اعوجاجها . ( 3 ) الشهد : عسل النحل ، ويشار : يجنى . ( 4 ) في ب « منها منزعها » . ( 5 ) في ب « برعي المتات » .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 323 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي