تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١

[ أمثلة من إنشاء لسان الدين في التراجم ، على طريقة الفتح بن خاقان ]

وقد سلك لسان الدين رحمه اللّه تعالى في كثير من كتبه ك « الكتيبة الكامنة » و « التاج المحلّى » و « الإكليل الزاهر » وغيرها تحلية الأعلام ، من حملة السيوف والأقلام ، بالكلام المسجّع الآخذ بحظّه من الإتقان على طريقة صاحب « القلائد » و « المطمح » أبي نصر الفتح بن عبيد اللّه المدعو بابن خاقان بليغ الأندلس غير مدافع ، وعلى نهج مباريه ابن بسّام صاحب « الذخيرة ، في محاسن أهل الجزيرة » وهو كتاب ينبغي أن يراجع ، وقد رأيت أن آتي بشيء من كلام لسان الدين فيما ذكر ، ونلمّ بعد تحليته بالتعريف بحال من حلاه من الأعلام ، بحسب ما منّ به ويسّره لي الملك العلّام ، سبحانه وتعالى ، فنقول : قال لسان الدين رحمه اللّه تعالى في بعض كتبه في وصف بعض من عرّف به ما نصّه : أي نفس صافية من الكدر ، وصدر طيب الورد والصّدر « 1 » ، ودوحة عهد تندى أوراقها ، ومشكاة فضل يستطلع إشراقها ، تمسك برضاع الكأس ، يرى ذلك من حسن عهده ، وقسم لحظاته بين آس الرياض وورده ، فلمّا حوّم حمامه للوقوع ، وكان يقوّض رحله عن الربوع ، وشعر بحبائل المنية تعتلقه ، وسرعان خيل الأجل ترهقه ، أقلع عن فنّه ، وأمر بسفك دنّه ، ولجأ إلى اللّه تعالى بأوبته « 2 » ، وضرع إلى اللّه تعالى في قبول توبته وغفران حوبته « 3 » ، فكان ذلك عنوان الرضا ، وعلامة عفو اللّه تعالى عمّا مضى ، دخلت عليه في مرضه ، وأشرت باستعمال الدواء المسمّى بلحية التيس عند الأطباء ، فاستعمله ، فوجد بعض خفة . وقال في آخر : كثيف الحاشية ، معدود في جنس السائمة والماشية ، تليت على العمال به سورة الغاشية ، تولّى الأشغال السلطانية فذعرت الجباة لولايته ، وقامت قيامتهم لطلوع آيته ، وقنطوا كلّ القنوط « 4 » ، وقالوا : جاءت الدابة تكلّمنا وهي إحدى الشروط ، من رجل صائم الحشوة ، بعيد من المصانعة والرشوة ، يتجنّب الناس ، ويقول عند المخاطبة : لا مساس ، وعلى مسافة نجهه « 5 » ، وتجهّم وجهه ، فكان خالطا إساءته بإحسانه ، مشتغلا بشأنه ، غاضّا من عنان لسانه ، عهدي به في الأعمال يقدّر فيها ويدبّر ، ويرجّح ويعبّر ، ويحبط ويتبّر ، وهو مع ذلك يكبّر ، ويحسّن من الأزمنة ويقبّح ، وهو يسبّح ، ولما شرع في البحث والتنقير ، والمحاسبة على
هامش
( 1 ) الورد - بكسر الواو وسكون الواو - القدوم على الماء للسقيا منه . والصدر - بفتح الصاد والدال - الرجوع عنه . ( 2 ) الأوبة : العودة . ( 3 ) الحوبة : الذنب والإثم . ( 4 ) القنوط : السأم . ( 5 ) نجهه نجها : ردّه عن حاجته أقبح رد ، أو استقبله بما يكره .