تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
الوزارة ، وأهل المغرب يعبرون عن المدينة التي فيها كرسي الخلافة بالحضرة . قلت : دخلت مكناسة هذه مرارا عديدة ، وقد أبلى الدهر محاسنها التي كانت في زمان لسان الدين بن الخطيب جديدة ، واستولى عليها الخراب ، وتكدر منها بالفتن الشراب ، وعاث في ظاهرها الأعراب ، وفي باطنها سماسرة الفتنة العائقة عن كثير من الآراب ، حتى صار أهلها حزبين ، لبس كثير من أهلها ثياب البعد عنها والبين ، واللّه تعالى يجبر حالها ، ويعقب بالخصب إمحالها ، ويرحم اللّه تعالى ابن جابر إذ قال : [ الكامل ]
لا تنكرنّ الحسن من مكناسة * فالحسن لم يبرح بها معروفا
ولئن نحت أيدي الزمان رسومها * فلربما أبقت هناك حروفا
على أنّ ضواحيها كانت في زمان لسان الدين مأوى للمحاربين واللصوص ، ومثوى للأعراب الذين أعضل داؤهم بأقطار المغرب على العموم والخصوص ، ولذلك يقول لسان الدين رحمه اللّه تعالى : [ الكامل ]
مكناسة حشرت بها زمر العدا * فمدى بريد فيه ألف مريد « 1 »
من واصل للجوع لا لرياضة * أو لابس للصوف غير مريد « 2 »
فإذا سلكت طريقها متصوّفا * فانو السلوك بها على التجريد

[ شيء عن السلطان أبي الحسن المريني ]

وما أشار إليه رحمه اللّه تعالى فيما سبق من ذكر الزاوية القدمى والجديدة أشار به إلى زاويتين بناهما السلطان أبو الحسن المريني الكثير الآثار بالمغرب الأقصى والأوسط والأندلس ، وكان بنى الزاوية القدمى في زمان أبيه السلطان أبي سعيد والجديدة حين تولّى الخلافة ، وله في هذه المدينة غير الزاويتين المذكورتين عدّة آثار كثيرة جميلة من القناطر والسقايات وغيرها ، ومن أجلّ مآثره بها المدرسة الجديدة ، وكان قدّم للنظر على بنائها قاضيه على المدينة المذكورة ، ولما أخبر السلطان بتمام بنائها جاء إليها من فاس ليراها ، فقعد على كرسيّ من كراسي الوضوء حول صهريجها ، وجيء بالرسوم المتضمّنة للتنفيذات اللازمة فيها ، فغرّقها في الصهريج قبل أن يطالع ما فيها ، وأنشد : [ الرجز ]
لا بأس بالغالي إذا قيل حسن * ليس لما قرّت به العين ثمن
وهذا السلطان أبو الحسن أشهر ملوك بني مرين ، وأبعدهم صيتا ، وكان قد ملك
هامش
( 1 ) المدى : المسافة ، والمريد - بفتح الميم - المتمرد . ( 2 ) مريد - بضم الميم هنا - لفظ من اصطلاح الصوفية بمعنى التلميذ .