تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
مهما ظهرت وليمة أو عقيقة ، واقتصادهم لا تلتبس منه طريقة ، وأنساب نفقاتهم في تقدير الأرزاق عريقة ، فهم يمصّون البلالة مصّ المحاجم ، ويجعلون الخبز في الولائم بعدد الجماجم ، وفتنتهم ببلدهم فتنة الواجم بالبشير الهاجم ، وراعي الجديب بالمطر الساجم « 1 » ، فلا يفضّلون على مدينتهم مدينة ، الشكّ عندي في مكة والمدينة » ؛ انتهى .

[ كلام له مرسل في وصف البلاد ووصف مكناسة الزيتون ]

وقد سلك في هذه المقامة وصف بلدان المغرب بالسجع والتقفية ، ووفّاها من المدح وضدّه أكمل توفية ، وعكس هذه الطريقة في « نفاضة الجراب » فوصف فيها الأماكن بكلام مرسل جزل غير مسجع ، مع كونه أقطع من السيف إذا بان عنه القراب . فمن ذلك قوله حين أجري ذكر مدينة « مكناسة الزيتون » : وأطلّت مدينة مكناسة في مظهر النّجد ، رافلة في حلل الدوح ، مبتسمة عن شنب المياه العذبة ، سافرة عن أجمل المراد ، قد أحكم وضعها الذي أخرج المرعى ، قيد النص وفذلكة « 2 » الحسن ، فنزلنا بها منزلا لا تستطيع العين أن تخلفه حسنا ووضعا ، من بلد دارت به المداسر المغلّة ، والتفّت بسوره الزياتين المفيدة ، وراق بخارجه للسلطان المستخلص الذي يسمو إليه الطرف ، ورحب ساحة والتفاف شجرة ونباهة بنية وإشراف « 3 » ربوة ، ومثلت بإزائها الزاوية القدمى المعدة للوارد ، ذات البركة النامية ، والمئذنة السامية ، والمرافق المتيسّرة ، يصاقبها « 4 » الخان البديع المنصب الحصين الغلق الخاصّ بالسابلة والجوّابة في الأرض يبتغون من فضل اللّه تعالى ، تقابلها غربا الزاوية الحديثة المربية برونق الشبيبة ومزية الجدة والانفساح وتفنّن الاحتفال ، إلى أن قال : وبداخلها مدارس ثلاث لبثّ العلم ، كلفت بها الملوك الجلّة الهمم ، وأخذها التنجيد ، فجاءت فائقة الحسن ، ما شئت من أبواب نحاسية ، وبرك فياضة تقذف فيها ضافي الماء أعناق أسدية ، وفيها خزائن الكتب والجراية الدارة على العلماء والمتعلمين ، وتفضل هذه المدينة كثيرا من لداتها بصحة الهواء وتبحّر أصناف الفواكه وتعمير الخزائن ومداومة البر لجوار ترابها سليما من الفساد معافى من العفن ، إذ تقام ساحات منازلها غالبا على أطباق الآلاف من الأقوات تتناقلها المواريث ويصحبها التعمير وتتجافى عنها الأرض ، ومحاسن هذه البلدة المباركة جمّة ، قال ابن عبدون من أهلها وللّه درّه : [ الكامل ]
هامش
( 1 ) الساجم : المتواصل ، الغزير . ( 2 ) فذلكة الحسن : خلاصته . ( 3 ) الربوة : ما ارتفع من الأرض . وإشرافها : علوها . ( 4 ) يصاقبها : يقابلها .