تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
وكانت إليه العودة ومنه البداية ، فلمّا حمّ الواقع « 1 » ، وعجز عن خرق الدولة الأندلسية الراقع ، وأصبحت ديار الأندلس وهي البلاقع « 2 » وحسنت من استدعائك إياي المواقع ، وقوي العزم وإن لم يكن ضعيفا ، وعرضت على نفسي السفر بسببك فألفيته خفيفا ، والتمست الإذن حتى لا نرى في قبلة السداد تحريفا ، واستقبلتك بصدر مشروح ، وزند للعزم مقدوح ، واللّه سبحانه يحقّق السول ، ويسهل بمثوى الأماثل المثول ، ويهيئ من قبل هنتاتة القبول ، بفضله .

[ من إنشائه في وصف البلاد الأندلسية ( مقامة ) ]

وللسان الدين بن الخطيب مقامة عظيمة بديعة وصف بها بلاد الأندلس والعدوة ، وأتى فيها من دلائل براعته بالعجب العجاب ، وقد تركتها مع كتبي بالمغرب ، ولم يحضرني منها الآن إلّا قوله في وصف مدينة سبتة ما صورته : « قلت فمدينة سبتة ، قال : عروس المجلى ، وثنية الصباح الأجلى ، تبرّجت تبرج العقيلة « 3 » ، ونظرت وجهها من البحر في المرآة الصقيلة ، واختصّ ميزان حسناتها بالأعمال الثقيلة ، وإذا قامت بيض أسوارها ، وكان جبل بنيونش شمّامة أزهارها ، والمنارة منارة أنوارها ، كيف لا ترغب النفوس في جوارها ، وتهيم الخواطر بين أنجادها وأغوارها ؟ إلى المنيا الفلكية ، والمراقي الفلكية ، والذكية الزكية ، غير المنزورة ولا البكية « 4 » ، ذات الوقود الجزل ، المعدّ للأزل ، والقصور المقصورة على الجدّ والهزل ، والوجوه الزّهر السّحن ، المضنون بها عن المحن ، دار الناشبة ، والحامية المفرمة للحرب المناشبة ، والأسطول المرهوب ، المحذور ، الألهوب ، والسلاح المكتوب المحسوب ، والأثر المعروف المنسوب ، كرسي الأمراء والأشراف ، والوسيطة ، لخامس أقاليم البسيطة ، فلا خظّ لها في الانحراف ، بصرة علوم اللسان ، وصنعاء الحلل « 5 » الحسان ، وثمرة امتثال قوله تعالى
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
[ سورة النحل ، الآية : 90 ] الأمينة على الاختزان ، القويمة المكيال والميزان ، محشر أنواع الحيتان ، ومحطّ قوافل العصير والحرير والكتّان ، وكفاها السكنى ببنيونش في فصول الأزمان ، ووجود المساكن النبيهة بأرخص الأثمان ، والمدفن المرحوم ، غير المزحوم ، وخزانة كتب العلوم ، والآثار المنبئة عن أصالة الحلوم ، إلّا أنها فاغرة أفواه الجنوب ، للغيث المصبوب ، عرضة للرياح ذات الهبوب ، عديمة الحرث فقيرة من الحبوب ، ثغر تنبو فيه المضاجع بالجنوب ، وناهيك بحسنه تعدّ من الذنوب ، فأحوال أهلها رقيقة ، وتكلّفهم ظاهر
هامش
( 1 ) حمّ - بالبناء للمجهول - قدر . ( 2 ) البلاقع : جمع بلقع ، وهو المقفر الخالي من السكان . ( 3 ) العقيلة : السيدة الكريمة . ( 4 ) البكية ، بزنة الهدية : القليلة ، ووقع في ب « المبكية » . ( 5 ) الحلل : جمع حلة ، وهي الثوب الجيد ، وصنعاء : بلد في اليمن مشهورة بصنع الوشي .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 312 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي