ببلوغ الأمنية ، على تلك الذات التي طابت أرومتها « 1 » وزكت ، وتأوّهت العلياء لتذكر عهدها وبكت ، وكاد السرور يتقطع لولا أنها تركت منك الوارث الذي تركت ، فلو لا العذر الذي تأكّدت ضرورته ، والمانع الذي ربما تقرّرت لديكم صورته ، لكنت أول مشافه بالهناء ، ومصارف لهذا الاعتناء ، الوثيق البناء ، بنقود الحمد للّه والثناء ، وهي طويلة .
[ من إنشائه ما كتب به إلى قاضي الجماعة ، وقد نالته مشقة ]
وممّا خاطب به رحمه اللّه تعالى قاضي الجماعة وقد نالته مشقّة جرّها غلط الخدّام السوء واشتراك الأسماء ، أعتبه « 2 » عندها السلطان وخلع عليه وأشاد بقدره بما نصّه : [ الطويل ]
تعرّفت أمرا ساءني ثم سرّني * وفي صحّة الأيام لا بدّ من مرض
تعمّدك المحبوب بالذات بعد ما * جرى ضدّه ، واللّه يكفيه بالعرض
« في مثلها سيدي يحمد الاختصار ، وتقصر الأنصار ، وتصرف الأبصار ، إذ لم يتعيّن ظالم ، ولم يتبيّن يقظ ولا حالم ، وإنما هي هدية أجر ، وحقيقة وصل أعقبت مجاز هجر ، وجرح جبار « 3 » ، وأمر ليس به اعتبار ، ووقيعة لم يكن فيها إلّا غبار ، وعثرة القدم لا تنكر ، واللّه سبحانه يحمد في كلّ حال ويشكر ، وإذا كان اعتقاد الخلافة لم يشبه شائب ، وحسن الولاية لم يعبه عائب ، والرعي دائب ، والجاني تائب ، فما هو إلّا الدهر الحسود ، لمن يسود ، خمش بيد ثم سترها ، ورمى عن قوس ما أصلحها - والحمد للّه - ولا أوترها ، إنما باء بشينه « 4 » ، وجنى من مزيد العناية محنة عينه ، ولا اعتراض على قدر ، أعقب بحظ معتذر ، وورد نغّص بكدر ، ثم أنس بإكرام صدر ، وحسبنا أن نحمد الدفاع من اللّه تعالى والذبّ ، ولا نقول مع الكظم إلّا ما يرضي الربّ ، وإذا سابق أولياء سيدي في مضمار ، وحماية ذمار ، واستباق إلى برّ وابتدار ، بجهد اقتدار ، فأنا ولا فخر متناول القصبة ، وصاحب الدّين من بين العصبة ، لما بلوت من برّ أوجبه الحسب ، والفضل الموروث والمكتسب ، ونصح وضح منه المذهب ، وتنفيق راق منه الرداء المذهب ، هذا مجمل وبيانه إلى وقت الحاجة مؤخر ، ونبذة شره لتعجيلها يراع مسخّر ، واللّه سبحانه يعلم ما أنطوى عليه لسيدي من إيجاب الحق ، والسير من إجلاله على أوضح الطرق ، والسلام » ؛ انتهى .
[ وكتب إلى بعض الفضلاء ]
وقال رحمه اللّه تعالى : خاطبت بعض الفضلاء بقولي ممّا يظهر من الجملة غرضه :
[ الطويل ]
هامش
( 1 ) الأرومة : الأصل . وزكت : نمت وطهرت .
( 2 ) أعتبه : أرضاه .
( 3 ) الجبار - بالضم - الهدر الذي لا عقوبة عليه ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام « جرح العجماء جبار » .
( 4 ) باء : رجع . والشين : العيب .