تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
اليوم واللّه تعالى يبقيها ، ومن المكاره يقيها ، وفي معارج القرب من حضرة القدس يرقيها ، ياقوتة اختارها واعتبرها ، ثم ابتلاها بالتمحيص في سبيل التخصيص واختبرها ، وسبيكة أخلصها وسخّرها « 1 » ، فخلصها لتسخيره « 2 » من الشّوب ، وأبرزها من لباب الذوب ، وقصرت عن هذه الأثمان ، وسرّ بصدق دعواه البهرمان ، ليفاضل بين الجهام « 3 » والصّيّب ، ويميز « 4 » اللّه الخبيث من الطّيّب ، فأراكم أن لا جدوى للعديد ولا للعدّة ، وعرّفكم بنفسه في حال الشدّة ، ثم فسح لكم بعد ذلك في المدّة ، لتعرفوه إذا دال الرخاء ، وهبّت بعد تلك الزعازع الريح الرّخاء ، وملأكم من التجارب ، وأوردكم من ألطافه أعذب المشارب ، ونقلكم بين إمرار الزمان وإحلائه ، ولم يسلبكم إلّا حقيرا عند أوليائه ، وأعادكم المعاد المطهر ، وألبسكم من أثواب اختصاصه المعلم المشهّر ، فأنتم اليوم بعين العناية ، بالإفصاح والكناية ، قد وقف الدهر بين يديكم موقف الاعتراف بالجناية ، فإن كان الملك اليوم علما يدرس ، وقوانين في قوّة الحفظ تغرس ، وبضاعة برصد التجارب تحرس ، فأنتم مالك دار هجرته المحسوبة ، وأصمعيّ شعوبه المنسوبة ، إلى ما حزتم من أشتات الكمال ، المربية « 5 » على الآمال ، فالبيت علوي المنتسب ، والملك بين الموروث والمكتسب ، والجود يعترف به الوجود ، والدين يشهد به الركوع والسجود ، والبأس تعرفه التّهائم والنّجود ، والخلق يحسده الروض المجود ، والشعر يغترف من عذب نمير ، ويصدق من « 6 » قال : بدىء بأمير وختم بأمير ، وإنّ مملوككم حوم من بابكم على العذب البرود ، فعاقه الدهر عن الورود ، واستقبل أفقه ليحقّق الرّصد ، ولكنه أخطأ القصد ، ومن أخطأ الغرض أعاد ، ورجا من الزمان الإسعاد ، فربما خبىء نصيب ، أو كان مع الخواطىء سهم مصيب « 7 » ، وكان يؤمل صحبة ركاب الحجاز ، فانتقلت الحقيقة منه إلى المجاز ، وقطعت القواطع التي لم ينلها الحساب ، ومنعت الموانع التي خلص منها إلى الفتنة الانتساب ، ومن طلب الأيام أن تجري على اقتراحه ، وجب العمل على اطّراحه « 8 » ، فإنما هي البحر الزاخر ، الذي لا يدرك منه الآخر ، والرياح متغايرة ، والسفينة الحائرة ، فتارة يتعذّر من المرسى الصرف ،
هامش
( 1 ) في ب « مسجرها » . ( 2 ) في ب « بتسجيره » . ( 3 ) الجهام : السحاب لا مطر فيه . ( 4 ) في ب « وليميز » والآية 37 من الأنفاللِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ. ( 5 ) المربية : الزائدة . ( 6 ) في ب « ويصدق ما قال » . ( 7 ) أخذه من المثل « مع الخواطىء سهم صائب » . ( 8 ) اطراحه : تركه وعدم الاعتداد به .