تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
وتارة تقطع المسافة البعيدة قبل أن يرتدّ الطّرف ، هذا إن سالمها عطبها ، وأعفي من الوقود حطبها ، ولقد علم اللّه جلّ جلاله أنّ لقاء ذلك المقام الكريم عند الملوك تمام المطلوب ، ممّن يجبر كسر القلوب ، فإنه ممّا انعقد على كماله الإجماع ، وصحّ في عوالي معاليه السّماع ، وارتفعت في وجود مثاله الأطماع ، أخلاقا هذّبها الكرم الوضّاح ، وسجية كلف بها الكمال الفضاح ، وحرصا على الذكر الجميل وما يتنافس فيه إلّا من سمت هممه « 1 » ، وكرمت ذممه ، وألفت الخلد رممه ، إذ الوجود سراب ، وما فوق التراب تراب ، ولا يبقى إلّا عمل راق ، أو ذكر بالجميل يسطّر في أوراق ، حسبما قلت من قصيدة كتبتها على ظهر مكتوب موضوع أشار به من كانت له طاعة ، فوفت بمقترحه استطاعة : [ الكامل ]
يمضي الزمان وكلّ فان ذاهب * إلّا جميل الذكر فهو الباقي
لم يبق من إيوان كسرى بعد ذا * ك الحفل إلّا الذكر في الأوراق
هل كان للسفاح والمنصور وال * مهديّ من ذكر على الإطلاق
أو للرشيد وللأمين وصنوه * لولا شباة يراعة الورّاق « 2 »
رجع التراب إلى التراب بما اقتضت * في كلّ خلق حكمة الخلاق
إلّا الثناء الخالد العطر الشّذى * يهدي حديث مكارم الأخلاق « 3 »
والرغبة من مقامكم الرفيع الجناب ، أن يمكنها من حسن المثاب « 4 » ، فتحظى بحلول ساحته ، ثم بلثم راحته ، ثم بالإصغاء ، ولا مزيد للابتغاء ، إلى أن ترتفع الوساطة ، وتغني عن التركيب البساطة ، وينسى الأثر بالعين ، ويحسن الدهر قضاء الدين ، ونسأل الذي أغرى بها القريحة ، ولم يجعل الباعث إلّا المحبة الصريحة « 5 » ، أن يبقي تلك المثابة زينا للزمان ، وذخرا مكنوفا باليمن والأمان ، مظلّلا برحمة الرحمن ، بفضله وكرمه ؛ انتهى .

[ من إنشاء لسان الدين ما كتب به إلى شيخه أبي عبد اللّه بن مرزوق ]

وممّا كتب به لسان الدين رحمه اللّه تعالى إلى الشيخ الرئيس الخطيب شيخه أبي عبد اللّه بن مرزوق رحمه اللّه تعالى حين كانت أزمّة أمر المغرب بيده أيام السلطان أبي سالم ابن السلطان أبي الحسن المريني رحم اللّه تعالى الجميع ! ما صورته :
هامش
( 1 ) سمت هممه : ارتفعت . ( 2 ) أصل الشباة - بفتح الشين - حد السنان ونحوه واستعارها هنا لليراعة ، واليراعة : القلم . ( 3 ) الشذى : قوة الرائحة الطيبة . ( 4 ) في ب « من حسن المناب » . ( 5 ) المحبة الصريحة : الخالصة .