تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧

[ ترجمة يحيى بن إبراهيم بن يحيى البرغواطي ، من إنشاء لسان الدين ]

ومن نثر لسان الدين ما ذكره في « الإحاطة » في ترجمة يحيى بن إبراهيم بن يحيى البرغواطي من بني الترجمان ، ولنذكر الترجمة بجملتها لاشتمالها على ما ذكر وغيره في حقّ المذكور بعد قوله « إنه من بني الترجمان » ما صورته : « عزف عنهم « 1 » وانقطع إلى لقاء الصالحين ، وصحبة الفقراء المتجرّدين ، وكان نسيج وحده في طلاقة اللسان ، حافظا لكل غريبة من غرائب الصوفية ، يتكلّم في مشكلاتهم ، حفظ « منازل السائرين » للهروي ، وتائية ابن الفارض ، مليح الملبس ، مترفّع عن الكدية « 2 » ، حسن الحديث ، صاحب شهرة ، ومع ذلك فمغضوض منه ، محمول عليه ، لما جبل عليه من رفض الاصطلاح ، واطّراح التغافل ، مولع بالنقد « 3 » ، والمخالفة في كل ما يطرق سمعه ، مرشحا ذلك بالجدل المبرم « 4 » ، ذاهبا أقصى مذاهب القحة ، كثير الفلتات ، نالته بسبب هذه البلية محن ، ووسم بالرهق في دينه مع صحّة العقل ، وهو الآن عامر الرباط المنسوب إلى اللّجام على رسم الشياخة ، عديم التابع ، مهجور الفناء . قيّد الكثير من الأجزاء ، منها في نسبة الذنب إلى الذاكر ، جزء نبيل غريب المأخذ ، ومنها فيما أشكل من كتاب أبي محمد بن الشيخ ، وصنّف كتابا كبير الحجم في الاعتقادات جلب فيه كثيرا من الحكايات ، رأيت عليه بخطّ شيخنا أبي عبد اللّه المقري ما يدلّ على استحسانه . ومن البرسام الذي يجري على لسانه ، بين الجد والقحة والجهالة والمجانة ، قوله لبعض خدام باب السلطان وقد ضويق في شيء أضجره منقولا من خطّه ، بعد ردّ كثير منه للإعراب ، ما نصّه : اللّه نور السماوات من غير نار ولا غيرها ، والسلطان ظلّ له وسراجه في الأرض ، ولكل منهما فراش ممّا يليق به ويتهافت عليه ، فهو تعالى محرق فراشه بذاته ، مغرفهم بصفاته وسراجه ، وظلّه هو السلطان محرق فراشه بناره ، مغرقهم بزيته ونواله ، ففراش اللّه تعالى ينقسم إلى حافّين ومسبّحين ومستغفرين وأمناء وشاخصين ، وفراش السلطان ينقسمون إلى أقسام لا يشذّ أحدهم عنها ، وهم وزغة ابن وزغة ، وكلب ابن كلب ، وكلب مطلقا ، وعار ابن عار ، وملعون ابن ملعون ، وقطّ ، فأما الوزغة فهو المغرق في زيت نواله المشغول بذلك عمّا يليق بصاحب النعمة من النصح وبذل الجهد ، والكلب ابن الكلب هو الكيّس المتحرّز في تهافته من إحراق وإغراق يعطي بعض الحقّ ويأخذ بعضه ، وأمّا الكلب مطلقا فهو المواجه وهو المشرد للسفهاء عن الباب المعظم القليل النعمة ، وأما العار ابن العار فهو المتعاطي في تهافته ما فوق الطوق ، ولهذا امتاز هذا الاسم بالرياسة عند العامة إذا مرّ بهم جلف أو متعاظم يقولون : هذا العار ابن العار ، يحسب نفسه رئيسا ، وذلك لقرب المناسبة ؛ فهو موضوع لبعض
هامش
( 1 ) عزف عنهم : تركهم وانصرف عنهم . ( 2 ) الكدية : السؤال . ( 3 ) مولع بالنقد : متعلق بشدة . ( 4 ) المبرم المضجر .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 297 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي