تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
الرياسة ، كما أنّ الكلب ابن الكلب لبعض الكياسة ، وأما الملعون ابن الملعون فهو المغالط المعاند المشارك لربّه المنعم عليه في كبريائه وسلطانه ، وأما القطّ فهو الفقير مثلي المستغني عنه لكونه لا تختصّ به رتبة ، فتارة في حجر الملك ، وتارة في السنداس ، وتارة في أعلى الرتب ، وتارة محسن ، وتارة مسيء ، تغفر سيئاته الكثيرة بأدنى حسنة ، إذ هو من الطّوّافين ، متطيّر بقتله وإهانته ، تيّاه في بعض الأحايين بعزّة يجدها من حرمة أبقاها له الشارع ، وكل ذلك لا يخفى . وأمّا الفراش المحرق فهو عند الدول نوعان : تارة يكون ظاهرا وحصته مسح المصباح وتصفية زيته ، وإصلاح فتيله وستر دخانه ومسايسة ما يكون من المطلوب منه ، ووجود هذا شديد الملازمة ظاهرا ، وأمّا المحرق الباطن فهو المشار إليه في دولته بالصلاح والزهد والورع فيعظّمه الخلق ويترك لما هو بسبيله ، فيكون وسيلة بينهم وبين ربّهم وخليفته الذي هو مصباحهم ، فإذا أراد اللّه تعالى إهلاك المروءة وإطفاء مصباحها تولّى ذلك أهل البطالة والجهالة ، وكان الأمر كما رأيتم ، والكل فراش متهافت ، وكلّ يعمل على شاكلته » . قال الوزير لسان الدين : وطلب مني الكتب عليه بمثل ذلك فكتبت ببعض أوراقه إثارة لضجره ، واستدعاء لفكاهة انزعاجه ، ما نصّه : « وقفت من الكتاب المنسوب لصاحبنا أبي زكريا البرغواطي على برسام محموم « 1 » ، واختلاط مذموم ، وانتساب زنج في روم ، وكان حقّه أن يتهيّب طريقا لم يسلكها ، ويتجنّب عقيلة لم يملكها ، إذ المذكور لم يتلقّ شيئا من علم الأصول ، ولا نظر من الإعراب في فصل من الفصول ، إنما هي قحة « 2 » وخلاف ، وتهاون بالمعارف واستخفاف ، غير أنه يحفظ في طريق القوم كلّ نادرة ، وفيه رجولية ظاهرة ، وعنده طلاقة لسان ، وكفاية قلّما تتأتّى لإنسان . فإلى اللّه نضرع أن يعرّفنا مقادير الأشياء ، ويجعلنا بمعزل عن الأغبياء . وقد قلت مرتجلا من أوّل نظرة ، واجتزاء بقليل من كثرة : [ الخفيف ]
كلّ جار لغاية مرجوّة * فهو عندي لم يعد حقّ الفتوّة
وأراك اقتحمت ليلا بهيما * مولجا منك ناقة في كوّه « 3 »
لا اتّباعا ولا اختراعا أتتنا * إذ نظرنا عروسك المجلوّه
كلّ ما قلته فقد قاله النا * س مقالا آياته متلوّه
هامش
( 1 ) البرسام : في الأصل التهاب يصيب غشاء الرئة ، ويسمى بذات الجنب ، وهنا الهذيان ، وذلك لأن من لوازم البرسام أن يهذي صاحبه نتيجة لارتفاع حرارته . ( 2 ) القحة : الجفاء . ( 3 ) مولجا : مدخلا . والكوة : الخرق في الحائط .