مولده بتونس بلده في شهر رمضان عام اثنين وثلاثين وسبعمائة ؛ انتهى كلام لسان الدين في حقّ ابن خلدون .
[ تعليق للمؤلف على ترجمة لسان الدين لابن خلدون ]
قلت : هذا كلام لسان الدين في حقّ المذكور في مبادئ أمره وأواسطه ، فكيف لو رأى تاريخه الكبير الذي نقلنا منه في مواضع وسمّاه « ديوان العبر ، وكتاب المبتدأ والخبر ، في تاريخ العرب والعجم والبربر ، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر » « 1 » ورأيته بفاس وعليه خطّه في ثماني مجلّدات كبار جدّا ، وقد عرّف في آخره بنفسه ، وأطال ، وذكر أنه لما كان بالأندلس وحظي عند السلطان أبي عبد اللّه شمّ من وزيره ابن الخطيب رائحة الانقباض ، فقوض الرحال « 2 » ، ولم يرض من الإقامة بحال ، ولعب بكرته صوالجة الأقدار ، حتى حلّ بالقاهرة المعزّية واتّخذها خير دار ، وتولّى بها قضاء القضاة وحصلت له أمور ، رحمه اللّه تعالى ! .
وكان - أعني الولي ابن خلدون - كثير الثناء « 3 » على لسان الدين بن الخطيب رحمه اللّه تعالى ! .
[ من كلام الشيخ إبراهيم الباعوني في حق لسان الدين ]
ولقد رأيت بخطّ العالم الشهير الشيخ إبراهيم الباعوني الشامي فيما يتعلّق بابن خلدون ما نصّ محل الحاجة منه : تقلّبت به الأحوال حتى قدم إلى الديار المصرية ، وولي بها قضاء قضاة المالكية ، في الدولة الشريفة الظاهرية ، وصحبته - رحمه اللّه تعالى ! - في سنة 803 عند قدومه إلى الشام صحبة الملك الناصر فرج ابن الملك الظاهر برقوق في فتنة تمرلنك عليه من اللّه تعالى ما يستحقّه ، وأكرمه تمرلنك غاية الإكرام ، وأعاده إلى الديار المصرية ، وكنت أكثر الاجتماع به بالقاهرة المحروسة للمودّة الحاصلة بيني وبينه ، وكان يكثر من ذكر لسان الدين بن الخطيب ، ويورد من نظمه ونثره ما يشنف به الأسماع ، وينعقد على استحسانه الإجماع ، وتتقاصر عن إدراكه الأطماع ، فرحمة اللّه تعالى عليهما ، وأزكى تحياته تهدى إليهما ! ولقد كان ابن خلدون هذا من عجائب الزمان ، وله من النظم والنثر ما يزري بعقود الجمان ، مع الهمّة العلية ، والتبحّر في العلوم النقلية والعقلية ، وكانت وفاته بالقاهرة المعزية سنة 807 ، سقى اللّه تعالى عهده ! ووطّأ في الفردوس مهده ! قاله وكتبه الفقير إلى اللّه تعالى إبراهيم بن أحمد الباعوني الشافعي ، غفر اللّه تعالى له زلله ، وأصلح خلله ! انتهى .
هامش
( 1 ) اشتهر هذا الكتاب باسم تاريخ ابن خلدون انظر طبعة دار الفكر ، مستكملة البحوث ، فيه زيادات تطبع للمرة الأولى تحقيق خليل شحادة .
( 2 ) قوض الرحال : في الأصل هدم الخيام وحملها على الإبل . وأراد : ارتحل .
( 3 ) الثناء : الشكر .