أدواتهم ، ويخبر من تباين ذواتهم « 1 » ، ويرشّح كلّ واحد إلى ما استحقّه ، ويؤتي كلّ ذي حقّ حقّه ، اعتمادا على أغراضه التي عدلت ، وصدحت « 2 » على أفنائها من الأفواه طيور الشكر وهدلت ، واستنادا في ذلك إلى آرائه ، وتفويضا له في هذا الشأن بين خلصاء الملك وظهرائه « 3 » ، وذلك على مقتضى ما كان عليه أعلام الرياسة الذين سبقوا ، وانتهضوا بهممهم واستبقوا ، كالشيخ الرئيس الصالح أبي الحسن بن الجيّاب ، والشيخ ذوي الوزارتين أبي عبد اللّه بن الخطيب ، رحمهما اللّه تعالى ! فليقم أبقاه اللّه تعالى بهذه الأعمال التي سمت واعتزّت ، ومالت بها أعطاف العدل واهتزّت ، وسار بها الخبر حثيث السّرى « 4 » ، وصار بها الحقّ مشدود العرى ، وعلى جميع القضاة الأمضياء ، والعلماء الأرضياء ، والخطباء الأولياء ، والمقرئين الأزكياء ، وحملة الأقلام الأحظياء « 5 » ، أن يعتمدوا هذا الولي العماد في كلّ ما يرجع إلى عوائدهم ، ويختصّ في دار الملك من مرتّباتهم وفوائدهم ، وما يتعلّق بولاياتهم وأمنياتهم ، ويليق بمقاصدهم ونيّاتهم ، فهو الذي يسوّغهم المشارب ، ويبلغهم المآرب ، ويستقبل العلي بالعلي ، والعاطل بالحلي ، والمشكل بالجلي ، والمفرق بالتاج ، والمقدمة بالإنتاج ، وعلى ذلك فهذا المنشور الكريم قد أقرّهم على ولاياتهم وأبقاهم ، ولقاهم من حفظ المراتب ما رقّاهم ، فليجروا على ما هم بسبيله ، وليهتدوا بمرشد هذا الاعتناء ودليله ، وكتب في صفر عام سبعة وخمسين وثمانمائة ، انتهى .
قلت : وإنما أتيت به لوجوه : أحدها ، ما يتعلّق بلسان الدين إذ وقعت الإشارة إلى مرتبته في آخره ، والثاني ما اشتمل عليه من الإنشاء الغريب ، والثالث معرفة حال الرئيس أبي يحيى بن عاصم وتمكّنه من الرياسة ؛ لأنّا بنينا هذا الكتاب على ذكر ما يناسبه من أنباء أهل المغرب ، لكون أهل هذه البلاد المشرقية ليس لهم بها عناية ، والرابع أنّ بعض أكابر شيوخنا ممّن ألّف في طبقات المالكية لما عرّف بأبي يحيى ذكره في نحو أسطر عشرة ، وقال : هذا الذي حضرني من التعريف به ، والخامس أن ابن عاصم المذكور كما قاله الوادي آشي وغيره كان يدعى في الأندلس بابن الخطيب الثاني ، ويعنون بذلك البلاغة والبراعة والرياسة والسياسة .
رجع إلى أخبار لسان الدين فنقول :
هامش
( 1 ) تباين ذواتهم : اختلافهم وتباعدها .
( 2 ) صدحت : هدلت : أي غنت .
( 3 ) ظهراء : جمع ظهير ، وهو المعين والناصر .
( 4 ) حثيث السرى : سريع السير . والسرى ، في الأصل : السير ليلا .
( 5 ) الأحظياء : جمع حظي ، المقرب ، وذو الحظوة .