تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
اكتساب الحمد ناظر ، ولا ينقاس به في الفضل مناظر ، وهل تقاس الأجادل بالبغاث « 1 » ، أو الحقائق بالأضغاث ؟ ألا وإنّ بيته هو البيت الذي طلع في أفقه كلّ كوكب وقّاد ، ممّن وشج به للعلوم اتّقاء واتّقاد ، وترامى به للمدارك ذكاء وانتقاد ، فأعظم بهم أعلاما وصدورا ، وأهلة وبدورا ، خلدت ذكرهم الدواوين المسطّرة ، وسرت في محامدهم الأنفاس المعطّرة ، إلى أن نشأ في سمائهم هذا الأوحد ، الذي شهرة فضله لا تجحد ، فكان قمرهم الأزهر ، ونيّرهم الأظهر ، ووسيطة عقدهم الأنفس ، ونتيجة مجدهم الأقعس ، فأبعد في المناقب آماده ، ورفع الفخر وأقام عماده ، وبنى على تلك الأساس المشيدة ، وجرى لإدراك تلك الغايات البعيدة ، فسبق وجلّى ، وشنّف بذكره المسامع وحلّى ، ورفع المشكل ببيانه ، وحرّر الملتبس ببرهانه ، إلى أن أحلّه قضاء الجماعة ذروة أفقه الأصعد ، وبوّأه عزيز ذلك المقعد ، فشرّف الخطّة ، وأخذ على الأيدي المشتطّة ، لا يراقب إلّا ربّه ، ولا يضمر إلّا العدل وحبه ، والمجلس السلطاني أسماه اللّه تعالى يختصّه بنفسه ، ويفرغ عليه من حلل الاصطفاء ولبسه ، ويستمطر فوائده ، ويجرّب بأنظاره حقوق الملك وعوائده ، فكان بين يديه حكما مقسطا ، ومقسما لحظوظ الإنعام مقسّطا ، إلى أن خصّه بالكتابة المولوية ، ورأى له ذلك حقّ الأولوية ، إذ كان والده المقدّس نعّم اللّه تعالى ثراه ، ومنحه السعادة في أخراه ، مشرّف ذلك الديوان ، ومعلي ذلك الإيوان ، يحبّر رقاع الملك فتروق ، وتلوح كالشمس عند الشروق ، فحلّ ابنه هذا الكبير شرفا ، الشهير سلفا ، مرتبته التي سمت ، وافترّت به عن السعد وابتسمت ، فسحبت به للشرف مطارف ، وأحرزت به من الفخر التالد والطارف ، فهو اليوم في وجهها غرّه ، وفي عينها قرّة ، وللّه هو في ملاحظة الحقائق ورعيها ، وسمع الحجج ووعيها ، فلقد فضل بذلك أهل الاختصاص ، وسبقهم في تبيين ما يشكل منها وما يعتاص « 2 » ، إذ المشكلة معه جلية الأغراض ، والآراء لديه آمنة من مأخذ الاعتراض ، فكم رتبة عمرها بذويها ، فأكسبها تشريفا وتنويها « 3 » ، وعلى ذلك فأعلام قضاة الوطن ، ومن عبر منهم وقطن « 4 » ، مع أقدارهم السامية ، ومعاليهم التي هي للزّهر مسامية ، إنما رقتهم وساطته التي أحسنت ، وزيّنت بهم المجالس وحسّنت ، فيه أمضوا أحكامهم ، وأعملوا في الأباطيل احتكامهم ، وكتبوا الرسوم ، وكتبوا الخصوم ، وحلّوا دست القضاء « 5 » ،
هامش
( 1 ) الأجادل : جمع أجدل وهو الصقر . والبغاث : طير ضعيف ، ضرب المثل بضعفه فقيل « إن البغاث بأرضنا تستنسر » . ( 2 ) يعتاص : يصعب . ( 3 ) نوه به : ذكره وأشار به . ( 4 ) قطن : أقام . ( 5 ) الدست في الأصل . صدر البيت ، وهنا دست القضاء : كرسي القضاء .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 268 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي