تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
فمن ذلك قوله في غرض التحميد ممّا افتتح به الكتاب في التاريخ المتضمّن دولة بني نصر : « الحمد للّه الذي جعل الأزمنة كالأفلاك ، ودول الأملاك كأنجم الأحلاك « 1 » ، تطلعها من المشارق نيّرة ، وتلعب بها مستقيمة أو متحيّرة ، ثم تذهب بها غائرة متغيّرة ، السائق عجل ، وطبع الوجود مرتجل ، والحيّ من الموت وجل ، والدهر لا معتذر ولا خجل ، بينما ترى الدّست عظيم الزحام ، والموكب شديد الالتحام ، والوزعة تشير « 2 » ، والأبواب يقرعها البشير ، والسرور قد شمل الأهل والعشير ، والأطراف تلثمها الأشراف ، والطاعة يشهرها الاعتراف ، والأموال يحوطها العدل أو يبيحها الإسراف ، والرايات تعقد ، والأعطيات تنقد ، إذ رأيت الأبواب مهجورة ، والدسوت لا مؤمّلة ولا مزورة ، والحركات قد سكنت ، وأيدي الإدالة قد تمكّنت ، فكأنما لم يسمر سامر ، ولا نهى ناه ولا أمر آمر ، ما أشبه الليلة بالبارحة ، والغادية بالرائحة ، إنما
مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ
[ سورة الكهف ، الآية : 45 ] .

[ من نثره في الحض في الجهاد ]

ومن نثره قوله في استدعاء إمداد وحضّ على الجهاد : « أيها الناس ، رحمكم اللّه تعالى ، إخوانكم المسلمون بالأندلس قد دهم العدوّ قصمه اللّه تعالى ساحتهم ، ورام الكفر خذله اللّه تعالى استباحتهم ، وزحفت أحزاب الطواغيت إليهم ، ومدّ الصليب ذراعيه عليهم ، وأيديكم بعزّة اللّه تعالى أقوى ، وأنتم المؤمنون أهل البرّ والتقوى ، وهو دينكم فانصروه ، وجواركم الغريب فلا تحقروه ، وسبيل الرشد قد وضح فلتبصروه ، الجهاد الجهاد فقد تعين ، الجار الجار فقد قرّر الشرع حقّه وبيّن ، اللّه اللّه في الإسلام ، اللّه اللّه في أمّة محمد عليه الصلاة والسلام ، اللّه اللّه في المساجد المعمورة بذكر اللّه ، اللّه اللّه في وطن الجهاد في سبيل اللّه ، قد استغاث بكم الدين فأغيثوه ، قد تأكّد عهد اللّه وحاشاكم أن تنكثوه « 3 » ، أعينوا إخوانكم بما أمكن من الإعانة أعانكم اللّه تعالى عند الشدائد ، جدّدوا عوائد الخير يصل اللّه تعالى لكم جميل العوائد ، صلوا رحم الكلمة ، وآسوا بأنفسكم وأموالكم تلك الطوائف المسلمة ، كتاب اللّه بين أيديكم ، وألسنة الآيات تناديكم ، وسنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قائمة فيكم ، واللّه سبحانه يقول فيها
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ
[ سورة الصف ، الآية : 10 ] وممّا صحّ عنه قوله « من اغبرّت قدماه في سبيل اللّه حرّمهما اللّه على النار » « لا يجتمع غبار في سبيل اللّه ودخان جهنّم » « من جهّز غازيا في سبيل اللّه فقد غزا » أدركوا رمق الدين قبل أن يفوت ، بادروا عليل الإسلام قبل أن يموت ،
هامش
( 1 ) الأحلاك : جمع حلك ، وهو شدة الظلمة . ( 2 ) الوزعة : أعوان الحاكم وشرطه . ( 3 ) نكث العهد : نقضه ، نبذه .