تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
الكبير ، الذي لا يفي بوصفه التعبير ، علم بآثاره يقتدى ، وبأنظاره يهتدى ، وبإشارته يستشهد ، وبإدارته يسترشد ، إذ لا أمد علو إلّا وقد تخطاه ، ولا مركب فضل إلّا وقد تمطّاه ، ولا شارقة هدى إلّا وقد جلاها ، ولا لبّة فخر إلّا وقد حلّاها ، ولا نعمة إلّا وقد أسداها ، ولا سومة « 1 » إلّا وقد أبداها ، لما له في دار الملك من الخصوصية العظمى ، والمكانة التي تسوغ النعمى ، والرتب التي تسمو العيون إلى مرتقاها ، وتستقبلها النفوس بالتعظيم وتتلقّاها ، حيث سرّ الملك مكتوم ، وقرطاسه مختوم ، وأمره محتوم ، والأقلام قد روضت الطروس وهي ذاوية ، وقسّمت الأرزاق وهي طاوية ، شقّت ألسنتها فنطقت ، وقطّت أرجلها فسبقت ، ويبست فأثمرت إنعاما ، ونكست فأظهرت قواما ، وخطّت فأعطت ، وكتبت فوهبت ، ومشقت فرفقت ، وأبرمت فأنعمت ، فكم يسرت الجبر ، وعقرت الهزبر « 2 » ، وشنّفت المسامع ، وكيّفت المطامع ، وأقلّت فيما ارتفع من المواضع ، وأحلّت لما امتنع من المراضع ، فهي تنجز النعم ، وتحجز النقم ، وتبثّ المذاهب ، وتحثّ المواهب ، وتروض المراد ، وتنهض المراد ، وتحرس الأكناف ، وتغرس الأشراف ، مصيخة لنداء هذا العماد الأعلى ، طامحة لمكانه الذي سما واستعلى ، فيما يملي عليها من البيان الذي يقرّ له بالتفضيل ، الملك الضّلّيل « 3 » ، ويشهد له بالإحسان ، لسان حسان « 4 » ، ويحكم له ببري القوس ، حبيب بن أوس « 5 » ، ويهيم بما من الأساليب عنده ، شاعر كندة « 6 » ، ويستمطر سحبه الثّرّة ، فصيح المعرّة « 7 » ، إلى منشور « 8 » تزيل الفقر فقره ، وتدرّ الرزق درره ، لو أنهي إلى قس إياد لشكر في الصنيعة أياديه ، واستمطر سحبه وغواديه ، أو بلغ إلى سحبان لسحره ، وما فارقه عشيته ولا سحره ، ولو رآه الصابي لأبدى إليه من صبوته ما أبدى ، أو سمعه ابن عباد لكان له عبدا ، أو بلغ بديع الزمان لهجر بدائعه ، واستنزر بضائعه « 9 » ، أو أتحف به البستي لاتّخذه بستانا ، أو عرض على عبد الحميد لأحمد من صوبه هتّانا ، فأعظم به من عال لا ترقى ثنيته ، ولا تحاز مزيته ، ولا يرجم أفقه ، ولا يكتم حقّه ، ولا ينام له عن
هامش
( 1 ) في ب « ولا حرمة » . ( 2 ) الهزبر : الأسد . ( 3 ) الملك الضليل : هو امرؤ القيس بن حجر الكندي حامل لواء الشعر في الجاهلية . ( 4 ) حسان : هو ابن ثابت شاعر الرسول . ( 5 ) حبيب بن أوس : أبو تمام . ( 6 ) شاعر كندة : هو أبو الطيب المتنبي وكندة هنا : هي من أحياء الكوفة . ( 7 ) فصيح المعرة : هو أبو العلاء المعري . ( 8 ) في ب « إلى منثور » . ( 9 ) استنزر بضائعه : وجدها نزرة ضئيلة .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 267 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي