تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
به المشورة في الكنف المحوط والحرم الأمين ، فكان في مشكاة الأمور هاديا ، وفي ميدان المراشد جريّا « 1 » . فإلى مقاماته تبلغ مقامات الإخلاص ، وإلى مرتبته تنتهي مراتب الاختصاص ، فيمن حاز خصلا ، وزيّن حفلا ، وشرّف نديّا « 2 » . واستكمل همما ، واستعمل قلما ، واستخدم مشرفيّا . فللّه ما أعلى قدر هذا الشرف ، الجامع بين المتلد والمطرف ، السابق في الفضل أمدا قصيّا « 3 » . الحالّ من الاصطفاء مظهرا ، الفارع من العلاء منبرا ، الصاعد من العزّ كرسيّا . حاز الفضل إرثا وتعصيبا ، واستوفى الكمال حقّا ونصيبا ، ثناء أرجه كالروض لو لم يكن الروض ذابلا وهديّا . نوره كالبدر لو لم يكن البدر آفلا ، ومجد علوه كالسّها « 4 » لو لم يكن السّها خفيّا « 5 » . فما أشرف الملك الذي اصطفاه ، وكمل له حقّ التقريب ووفاه ، وأحلّه قرارة التمكين ، ومنّ باختصاصه بالمكان المكين ، فسبق في ميدان التفويض وسما « 6 » ، ورأى من الأنظار الحميدة ما رأى ، صادعا بالحقّ إماما علما ، موضحا من الدين نهجا أمما « 7 » ، هاديا من الواجب صراطا سويّا . بانيا المجد صرحا مشيّدا ، مشهرا للعدل قولا مؤيّدا ، مبرما للخير سببا قويّا . فاللّه تعالى يصل لمقام هذا الملك الذي طلع في سمائه بدرا دونه البدور ، وصدرا تلوذ به الصدور ، سعدا لا تمطله الأيام في تقاضيه ، ونصرا يمضي به نصل الجهاد فلا يزال ماضيه ، على الفتح مبنيّا . ويوالي له عزّا يذود « 8 » عن حرم الدين ويمنحه تأييدا يصبح في أعناق الكفر حديث سيفه قطعيّا . أمر به مرسوما عزيزا لا تبلغ المرسومات إلى مداه ، ولا يبدي بآثار الاختصاص مثل ما أبداه ، عبد اللّه أمير المسلمين محمد الغالب بالله أيّد اللّه تعالى مقامه ، ونصر أعلامه ، وشك إنعامه ، ويسّر مرامه « 9 » ، لإمام الأئمة وعلم الأعلام ، وعماد ذوي العقول والأحلام ، وبركة حملة السيوف والأقلام ، وقدوة رجال الدين وعلماء الإسلام ، الشيخ الفقيه أبي يحيى ابن كبير العلماء ، شهير العظماء ، حجة الأكابر والأعيان ، مصباح البلاغة والبيان ، قاضي القضاة وإمامهم ، أوحد الجلّة وطود شمامهم ، الشيخ الفقيه أبي بكر بن عاصم أبقاه اللّه تعالى ، ومناطق « 10 » الشكر له فصيحة اللسان ، ومواهب الملك به معهودة الإحسان ، وقلائد الأيادي منه متقلّدة بجيد كلّ إنسان ، قد تقرّر والمفاخر لا تنسب إلّا لبنيها ، والفضائل لا تعتبر إلّا بمن يشيد أركانها ويبنيها ، والكمال لا يصفي شربه ، إلّا لمن يؤمّن سربه ، أنّ هذا العلم
هامش
( 1 ) جريّا : أي جريئا . ( 2 ) النديّ : النادي . ( 3 ) قصيا : بعيدا . ( 4 ) السها : كوكب صغير خفي الضوء . ( 5 ) خفيا : أي مختفيا . ( 6 ) في ب « وشأى » . ( 7 ) النهج : الطريق . والأمم : الغريب . ( 8 ) يذود : يدفع . ( 9 ) في أ « وبشر مرامه » خطأ . ( 10 ) مناطق : جمع منطق ، وهو هنا موضع النطق ، وهو الفم .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 266 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي