أقصاها لاعج الشوق « 1 » ، المعذبة من الصبابة فيك بما شبّ عمره عن الطّوق « 2 » ، تتنفّس الصعداء ممّا تشاهده منك من مبتدعات الجور ، وتردّد البكاء على ضياع ما استعار الحسن لصفاتها من النجد والغور ، وتقضي العجب ممّا تسمع من عدلك الذي لم تجتل لمحة من نوره ، ومن حلمك الذي أشقاها فلم تحضر لدكة طوره ، وتستصوب أنظار النحاة في منع التهيئة والقطع في العامل ، وتستجلب اصطلاح العروضيين في المديد والبسيط دون الطويل والكامل ، فهلا راجعت فيها النظر ، وأنجزت لها الوعد المنتظر ، وكففت من عيونها دموعا مستهلّة ، واجتليت من جبينها الوضّاح ما أخجل بدورا مشرقة وأهلّة ، ولم تحوجها إلى أن ينطق قرينها الروحاني بالشعر على لسانها ولسانك ، ولم تضطرّها في هذه المعاملة إلى ما لا ترتضيه من كفر إحسانك ، والعذر أظهر ، والبرهان أبهر ، وخلافك في العالم أشهر ، وأنت إن لم يكن ما يعصم اللّه تعالى منه لمقتضى الطبيعة أقهر . وقد أدرجت لك في طي هذا ما يصل إلى يدك ، وتلهج به في يومك وغدك ، منتظرة منك إطفاء الجوى بالجواب ، ومحو ما سبق من الخطأ بالخطاب ، إن شاء اللّه تعالى ، واللّه تعالى يصل سعادته ، ويحفظ مجادته ، ومعاد السلام من الشاكر الذاكر ابن عاصم وفقه اللّه تعالى في أوائل ذي الحجة عام خمسة وأربعين وثمانمائة ، انتهى ، وهو ممّا لم أذكره في « أزهار الرياض » .
[ ظهير بتعيين ابن عاصم للقضاء ]
ولنذكر هنا الظهير الذي جلبته فيها بتقديم المذكور للنظر في أمور الفقهاء وغيرهم ، ونصّه : هذا ظهير كريم إليه انتهت الظهائر شرفا عليّا ، وبه تقرّرت المآثر برهانا جليّا ، وراقت المفاخر قلائد وحليّا « 3 » ، وتميّزت الأكابر الذين افتخرت بهم الأقلام والمحابر ، اختصاصا مولويّا . فهو وإن تكاثرت المرسومات وتعدّدت ، وتوالت المنشورات وتجدّدت ، أكرم مرسوم تمم في الاعتقاد نظرا خطيرا ، وأحكم في التفويض أمرا كبيرا ، وأبرم في الاختصاص عزما أبيّا .
اعتمد بمسطوره العزيز ، واختصّ بمنشوره الذي تلقّاه اليمن بالتعزيز ، من لم يزل بالتعظيم حقيقا « 4 » ، وبالإكبار خليقا ، وبالإجلال حريّا . فهو شهير لم يزل في الشهرة سابقا ، هاد لم يزل بالهدى ناطقا ، بليغ لم يزل بالبلاغة دريّا « 5 » . عظيم لم يزل في النفوس معظّما ، علم لم يزل في الأعلام مقدّما ، كريم لم يزل في الكرام سنيّا « 6 » . اشتملت منه محافل الملك على العقد الثمين ، وحلّت
هامش
( 1 ) لاعج الشوق : حره ، واشتداد أواره .
( 2 ) أخذه من المثل « شب عمرو عن الطوق » .
( 3 ) في أ « قلائدا وحليا » وهو خطأ . وقد أثبتنا الصحيح وهو كذلك في ب .
( 4 ) الحقيق : والخليق ، والحري : كلها ألفاظ بمعنى واحد وهو المستحق ، الجدير .
( 5 ) دريّا : عارفا .
( 6 ) سنيّا : رفيع القدر .