نمّت نوافح عرف أنفاس الصّبا * فنما بها روض الوداد وأخصبا « 1 »
نثرت جواهر سلكها فتتوّج ال * غصن النضير بدرّها وتعصّبا
ورمت محاجر منحنى ذاك الحمى * فغدا بها خيف القلوب محصّبا
وروت أحاديث الغرام صحيحة * فشفت فؤادا من بعادك موصبا
لا غرو أن طارت حشاشة لبّه * طربا فما خلو الغرام كمن صبا « 2 »
لا زلتم والزهر ينشق عرفكم * والزّهر تحسد من كمالك منصبا
ولنمسك عنان البنان ، ونرجع إلى ما كنّا بصدده من شأن لسان الدين بن الخطيب المريع منه بمزن البلاغة والفصاحة جنان الجنان ، فنقول واللّه سبحانه ولي التوفيق والإمداد ، وليس إلّا عليه الاعتماد :
[ لابن الصباغ العقيلي في لسان الدين واختصاصه بابن الجياب ]
وقال ابن الصباغ العقيلي : كان أبو الحسن بن الجياب رئيس كتّاب الأندلس وهم رؤساء غيرهم ، واختصّ به ذو الوزارتين أبو عبد اللّه بن الخطيب اختصاصا تامّا ، وأورثه رتبة من بعده ، وعهد بها إليه ، مشيرا بذلك على من استشاره من أعلام الحجاب عند حضور عمره ، وتدرب بذكائه حتى استحقّ أزمته فأنسى بحسن سياسته شيخه المذكور ، ونال التي لا فوقها من الحظوة ، وبعد الصيت وسعادة البخت « 3 » ، اتّفق له يوما بعد ما عزم النصراني على ورود البلد وضاقت به الصدور ، فأنشد ابن الجياب بديها بمحضر الكتّاب : [ مجزوء الرجز ]
هذا العدوّ قد طغى * وقد تعدّى وبغى
[ إجازة بين ابن الجياب ولسان الدين ]
وقال لابن الخطيب : أجز أبا عبد اللّه ، فأنشده بديها : [ مجزوء الرجز ]
وأظهر السلم وقد * أسرّ حسوا في ارتغا « 4 »
فبلّغ الرحمن سي * ف النصر فيه ما ابتغى
وردّه ردّ ثمو * د والفصيل قد رغا « 5 »
حتى يرى وليمة * لكل مرهوب الثغا
هامش
( 1 ) نمت : وشت وأخبرت ، والنوافح : جمع نافحة ، وهي الفواحة بطيب الرائحة ، والعرف - بالفتح - الرائحة الزكية . ونما : زاد وأينع .
( 2 ) خلو الغرام : غير عاشق ، غير صب .
( 3 ) البخت : الحظ .
( 4 ) يشير إلى قولهم في مثل : « أسر حسوا في ارتغاء » يضرب لمن يظهر شيئا وهو يضمر شيئا آخر .
( 5 ) الفصيل : ولد الناقة ، ورغا : صوت .