لتدرك في مجال الإدراك شأوه فلم « 1 » ، سيدنا الفقيه الحافظ حامل لواء الفتيا ، ومالك المملكة في المنقول والمعقول من غير شرط ولا ثنيا ، أبو العباس سيدي أحمد بن محمد المقري أبقاه اللّه تعالى للعلم يفتضّ أبكاره ، ويجني من روضه اليانع ثماره ، سلام اللّه عليكم ورحمة اللّه تعالى وبركاته ، كتبه المحبّ الشاكر عن ودّ راسخ العماد ، ثابت الأوتاد مزهوّ الأغوار والأنجاد ، ولا جديد إلّا الشوق الذي تحنّ إلى لقياكم ركائبه وترتاح ، وتحوم على مورد الأنس بكم حوم ذات الجناح على العذب القراح ، جمع اللّه تعالى الأرواح المؤتلفة على بساط السرور وأسرّة الهنا ، وأتاح للنفوس من حسن محاضرتكم قطف المشتهى وهو غضّ الجنى . وقد اتّصل بالمحبّ الودود الرقيم الذي راقت من سواد النقش وبياض الطرس شياته ، وأرانا معجز أحمد فبهرت آياته ، وخبا سقط الزند لما أشرقت من سماء فكركم آياته ، فأطربنا بتغريد طيور همزاته على أغصان ألفاته ، وعوّذنا بالسبع المثاني بنانا أجادت نثر زهراته على صفحاته ، ثم مررنا بتضاعيفه بسوق الرقيق ، فرمنا السلوك على منحاها « 2 » فعمّي علينا الطريق ، وقلنا : واها على سوق ابن نباتة وكساد رقيقها ، واستلاب البهجة عن نفيس دررها وأنيقها ، لا كسوق نفق فيها سوق الغزل ، وعلا كعب الرامح والأعزل ، وتضافر على سحر النفوس والألباب هاروت الجدّ وماروت الهزل ، وقد ألقينا السلاح وجنحنا للسلم ، وتهيّأنا للسباحة فوقنا بساحل اليمّ ، وسلمنا لمن استوت به سفينة البلاغة على الجوديّ « 3 » ، فأبنا « 4 » والحمد للّه على السلامة بالفهاهة والعي « 5 » ، وقلنا : مالنا وللإنشاء ، فهو فضل اللّه يؤتيه من يشاء . وعذرا أيها الشيخ عن البيت الذي عطست به أنف الصّبا فقذفت به البديهة من الفم ، وشرقت به صدر قناة القلم ، كما شرقت صدر القناة من الدم . وأمّا ما تحمّل الرسول من كلام ، في صورة ملام ، لا بل مدام ، أترع به من سلاف المحبّة كأس وجام ، فلا وربّك ما هي إلّا نفحة نفحت ، لا سموم لفحت ، هززنا بها جذع أدبكم كي يتساقط علينا رطبا جنيّا ، ويهمي ودقه على الرّبع المحيل من أفكارنا وسميّا ووليّا ، فجاد وأروى ، وأجاد فيما روّى ، وأحيا من القرائح ميتا كان حديثا يروى ، وطرسا بين أنامل الأيام ينشر ويطوى ، أحيا اللّه تعالى قلوبنا بمعرفته ونواسم رحمته ، وعرج
هامش
( 1 ) حذف مجزوم لم وأصل الكلام : فلم تدرك شأوه ، ولذلك نظائره في شعر العرب ، ومنه قول إبراهيم بن هرمة القرشي :احفظ وديعتك التي استودعتها * يوم الأعازب إن وصلت وإن لم( 2 ) أي أردنا أن ننهج نهجها .
( 3 ) الجودي : قيل إنه جبل بين الموصل والجزيرة وفي القرآن الكريموَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ.
( 4 ) أبنا : رجعنا .
( 5 ) الفهاهة : العي .