تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
ولا تستهدف الأذن بغير سهم في حدق البلاغة مصيب ، ولا تستطلع النفس سوى مطلع له في الحسن والإحسان أوفر نصيب . لقد أزرى بناظم حلاه فيما يتعاطاه التقصير ، وانفسح مدى علاه بكل باع قصير ، وسفه حلم القائل : إنّ الإنسان عالم صغير ، شكرا للدهر على يد أسداها بقرب مزاره ، وتحفة أهداها بمطلع أنواره ، على تغاليه في ادخاره ، نفائسه وتحليه بنفائس ادّخاره ، لا غرو أن يضيق عنّا نطاق الذكر ، ولا يتّسع لنا سوار الشكر ، فقد عمّت هذه الأقطار بما شاءت من تحف بين تحفّ وكرامة ، واجتنت أهلها ثمرة الرحلة في ظل الإقامة ، وجرى لهم الأمر في ذلك مجرى الكرامة . ألا وإنّ مفاتحتي لسيدي ومعظّمي - حرس اللّه تعالى مجده ، وضاعف سعده ! - مفاتحة من ظفر من الدهر بمطلوبه ، وجرى له القدر على وفق مرغوبه ، فشرع « 1 » له إلى أهله بابا ، ورفع له من خجله جلبابا ، فهو يكلف بالاقتحام ، ويأنف من الإحجام « 2 » ، غير أنّ الحصر عن درج قصده يقيّده ، والبصر يبهرج نقده فيقعده ، فهو يقدّم رجلا ويؤخر أخرى ، ويجدّد عزما ثم لا يتحرّى ، فإن أبطأ خطابي فلواضح الأعذار ، ومثلكم من قبل جليات الأقدار ، واللّه سبحانه يصل لكم عوائد الإسعاد والإسعاف ، ويحفظ بكم ما للمجد من جوانب وأكناف ، إن شاء اللّه تعالى . وكتب في عاشر ربيع الأول عام ثمانية وأربعين وسبعمائة » ؛ انتهى .

[ من أبي جعفر بن خاتمة إلى لسان الدين ]

ومن خاتمة رسالة من إنشاء ابن خاتمة المذكور : فلنصرف عنان البطالة عن الإطالة ، ونسلّم على السيادة الطاهرة الأصالة ، بأطيب تسليم ، ختامه مسك ومزاجه من تسنيم « 3 » . ومن نظم ابن خاتمة المذكور : [ الطويل ]
هو الدّهر لا يبقي على عائذ به * فمن شاء عيشا يصطبر لنوائبه « 4 »
فمن لم يصب في نفسه فمصابه * بفوت أمانيه وفقد حبائبه « 5 »
ومنه قوله : [ الوافر ]
ملاك الأمر تقوى اللّه ، فاجعل * تقاه عدّة لصلاح أمرك
وبادر نحو طاعته بعزم * فما تدري متى يقضى بعمرك
هامش
( 1 ) شرع : فتح . ( 2 ) يأنف الإحجام : يأبى التراجع ( 3 ) تسنيم : عين في الجنة . ( 4 ) عائذ به : مستجير به ، لائذ به إليه ، والنوائب : جمع نائبة ، وهي المصيبة . ( 5 ) بفوت أمانيه : أي بذهابها .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 161 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي