يا من حصلت على الكمال بما رأت * عيناي منه من الجمال الرائع
قمر يروق وفي عطافي برده * ما شئت من كرم ومجد بارع
أشكو إليك من الزمان تحاملا * في فضّ شمل لي بقربك جامع
هجم البعاد عليه ضنّا باللّقا * حتى تقلّص مثل برق لامع
فلو انني ذو مذهب لشفاعة * ناديته : يا مالكي يا شافعي
« شكواي إلى سيدي ومعظّمي - أقرّ اللّه تعالى بسنائه أعين المجد ! وأدرّ بثنائه ألسن الحمد ! - شكوى ظمآن صدّ عن القراح « 1 » العذب لأوّل وروده ، والهيمان ردّ عن استرواح القرب لمعضل صدوده ، من زمان هجم عليّ بإبعاده ، على حين إسعاده ، ودهمني بفراقه ، غبّ إنارة أفقي به وإشراقه ، ثم لم يكفه ما اجترم في ترويع خياله الزاهر ، حتى حرم عن تشييع كماله الباهر ، فقطع عن توفية حقّه ، ومنع من تأدية مستحقّه ، لا جرم أنه أنف لشعاع ذكائه « 2 » ، من هذه المطالع النائية عن شريف الإنارة ، وبخل بالإمتاع بذكائه ، عن هذه المسامع النائية عن لطيف العبارة ، فراجع أنظاره ، واسترجع معاره ، وإلّا فعهدي بغروب الشمس إلى الذلوع « 3 » ، وأنّ البدر يتصرّف بين الإقامة والرجوع . فما بال هذا النّيّر الأسعد ، غرب ثم لم يطلع من الغد ، ما ذاك إلّا لعدوى الأيام وعدوانها ، وشأنها في تغطية إساءتها وجه إحسانها ، وكما قيل :
عادت هيف إلى أديانها ، أستغفر اللّه أن لا يعدّ ذلك من المغتفر ، في جانب ما أولت من الأثر « 4 » ، التي أزرى العيان فيها بالأثر ، وأربى الخبر على الخبر « 5 » ، فقد سرّت متشوّفات الخواطر ، وأقرّت مستشرفات النواظر ، بما حوت من ذلكم الكمال الباهر ، والجمال الناضر ، الذي قيّد خطى الأبصار ، عن التشوّف والاستبصار ، وأخذ بأزمّة القلوب ، عن سبيل كلّ مأمول ومرغوب ، وأنّى للعين ، بالتحوّل عن كمال الزّين ؟ أو الطرف ، بالتّنقل عن خلال الظرف ؟ أو للسمع من مراد ، بعد ذلكم الإصدار الأدبي والإيراد ، أو للقلب من مراد ، غير تلكم الشيم الرافلة من ملابس الكرم « 6 » في حلل وأبراد ، وهل هو إلّا الحسن جمع في نظام ، والبدر طالع لتمام ، وأنواع الفضل ضمّها جنس اتّفاق والتئام ، فما ترعى العين منه في غير مرعى خصيب ،
هامش
( 1 ) القراح - بفتح القاف - الخالص ، الصافي .
( 2 ) ذكاء - بضم الذال - اسم من أسماء الشمس .
( 3 ) في ب « الطلوع » .
( 4 ) الأثر : جمع أثرة ، وهي المكرمة المتوارثة .
( 5 ) أربى الخبر على الخبر : زادت الخبرة والتجربة على الخبر .
( 6 ) الرافلة : المتبخترة في مشيها بملابس الكرم .