ومن نظمه وقد تخلّى عن الكتابة وطلب منه أن يعود فأبى وأنشد : [ الوافر ]
تقضّى في الكتابة لي زمان * كشأن العبد ينتظر الكتابة
فمنّ اللّه من عتقي بما لا * يطيق الشكر أن يملا كتابه
وقالوا هل تعود فقلت كلا * وهل حرّ يعود إلى الكتابة
فانظر حسن هذه التورية العجيبة « 1 » ، انتهى .
[ من أبي جعفر بن خاتمة إلى ابن جزي ]
ولابن خاتمة يخاطب ابن جزي : يا أخي الذي سما ودّه أن يجازى ، وسيدي الذي علا مجده عن أن يوازى ، وصل اللّه تعالى لك أسباب الاعتلاء والاعتزاز ! وكافأ ما لك من الاختصاص بالفضائل والامتياز ! أما إنه لو وسع التخلّف عن جواب أخ أعز ، ولم يجب التكلّف بإجابة من أبان فأعجز « 2 » ، لغطيت عجزي عن عين تعجيزك ، ولما تعاطيت المثول بين يدي مناهزك أو مجيزك ، لكنه في حكم الودّ المكنون المكنوز ، ممّا لا يحلّ ولا يجوز ، فلكم الفضل في الإغضاء عن عاجز ، دعاه حكم التكلّف إلى القيام قيام « 3 » مناجز ، وإن لم يكن ذلك عند الإنصاف ، وحميد الأوصاف ، من السائغ الجائز ، فعن جهد ما بلغ وليك إلى هذه الأحواز ، ولم يحصل الحقيقة إلّا على المجاز . وأما « 4 » ما ذهبتم إليه من تخميس القصيدة التي أعجزت ، وبلغت من البلاغة الغاية التي عزت مناهضتها وأعوزت ، فلم أكن لأستهدف ثانيا لمضاضة الإعجاز ، وأسجل على نفسي بالإفلاس والإعواز ؛ انتهى .
وكتب قبلها قصيدة زائية أجابه بها عن قصيدة زائية ، التزم فيها ابن جزي ترك الراء ؛ لأنه كان ألثغ يبدلها غينا ، رحم اللّه تعالى الجميع ! .
[ ترجمة أبي جعفر بن خاتمة من إنشاء لسان الدين ]
وقال لسان الدين في ترجمة ابن خاتمة المذكور « 5 » : إنه الصدر المتفنن المشارك ، القوي الإدراك ، السديد النظر ، الثاقب الذهن ، الكثير الاجتهاد ، الموفور الأدوات ، المعين الطبع ، الجيد القريحة ، الذي هو حسنة من حسنات الأندلس ، أحمد بن علي بن خاتمة ، من أهل ألمرية . إلى أن قال : وممّا خاطبني به بعد إلمام الركاب السلطاني ببلده وأنا صحبته ، ولقائه إياي بما يلقى به مثله من تأنيس وبرّ ، وتودّد ، وتردّد : [ الكامل ]
هامش
( 1 ) الكتابة : عقد يعقده السيد مع عبده على أن يؤدي له العبد قدرا من المال يصير بعد أدائه حرا ، ولا يعود إلى العبودية بعد ذلك . والتورية في هذه الأبيات بهذا .
( 2 ) في ب « التكلف عمن قد عجز » .
( 3 ) في ب « القيام مقام مناجز » .
( 4 ) في ب « أما » بدون واو .
( 5 ) انظر الإحاطة : 114 .