تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
لا تشوبوا لها عذب المجاج بالأجاج ، وتفطموها عما عوّدت من طيب المزاج ، فما لدائها وحياة قربكم غير طبّكم من علاج . وإني ليخطر بخاطري محبة فيكم ، وعناية بما يعنيكم ، ما نال جانبكم صانه اللّه تعالى بهذا الوطن من الجفاء ، ثم أذكر ما نالكم من حسن العهد وكرم الوفاء ، وأنّ الوطن إحدى المواطن الأظآر التي يحقّ لهنّ جميل الاحتفاء ، وما يتعلّق بكم من حرمة أولياء القرابة وأودّاء الصفاء ، فيغلب على ظني أنكم لحسن العهد أجنح ، وبحقّ نفسكم عن حقّ أوليائكم أسمح ، وللّتي هي أعظم قيمة من فضائلكم أوهب وأسجح ، وهب أنّ الدّرّ لا يحتاج في الإثبات ، إلى شهادة النّحور واللبّات ، والياقوت غني المكان « 1 » ، عن مظاهرة القلائد والتيجان ، أليس أنه أعلى للعيان ، وأبعد عن مكابرة البرهان ، تألّقها في تاج الملك أنوشروان ؟ فالشمس وإن كانت أمّ الأنوار ، وجلاء الأبصار ، مهما أغمي مكانها من الأفق قيل : أليل هو أم نهار ، وكما في علمكم ما فارق ذوو الأرحام ، وأولو الأحلام ، مواطن استقرارهم ، وأماكن قرارهم ، إلّا برغمهم واضطرارهم ، واستبدال دار خير من دارهم ؟ ، ومتى توازن الأندلس بالمغرب ، أو يعوّض عنها إلّا بمكة أو يثرب ؟ ما تحت أديمها أشلاء أولياء وعبّاد ، وما فوقه مرابط جهاد ، ومعاقد ألوية في سبيل اللّه ومضارب أوتاد ، ثم يبوّأ ولده مبوّأ أجداده ، ويجمع له بين طارفه « 2 » وتلاده ، أعيذ أنظاركم المسدّدة من رأي فائل « 3 » ، وسعي طويل لم يحل منه بطائل ، فحسبكم من هذا الإياب السعيد ، والعود الحميد » ؛ وهي طويلة .

[ جواب لسان الدين على أبي جعفر بن خاتمة ]

قال لسان الدين رحمه اللّه تعالى : فأجبته بقولي « 4 » : [ السريع ]
لم في الهوى العذريّ أو لا تلم * فالعذل لا يدخل أسماعي
شأنك تعنيفي وشأني الهوى * كلّ امرئ في شأنه ساعي
« أهلا بتحفة القادم ، وريحانة المنادم ، وذكر الهوى المتقادم ، لا يصغّر اللّه مسراك ! فما أسراك ، لقد جبت إليّ من همومي ليلا ، وجست رجلا وخيلا ، ووفّيت من صاع الوفاء كيلا ، وظننت بي الأسف على ما فات ، فأعملت الالتفات ، لكيلا « 5 » ، فأقسم لو أنّ الأمر اليوم بيدي ، أو كانت اللّمّة السوداء من عددي ، ما أفلتّ أشراكي المنصوبة لأمثالك ، حول المياه وبين المسالك ، ولا علمت ما هنالك ، لكنك طرقت حمى كسعته الغارة الشعواء ، وغيّرت ربعة
هامش
( 1 ) في ب « غني في المكان » . ( 2 ) طارفه : أي حديثه وجديده . ( 3 ) فال الرأي : أخطأ وضعف . ( 4 ) انظر الإحاطة 1 : 126 . ( 5 ) يشير إلى قوله تعالى :لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ.