أوطاننا من العدوة ، واشتهر عني ما اشتهر من الانقباض عن الخدمة ، والتّيه على السلطان والدولة ، والتّكبّر على أعلى رتب الخدمة ، وتطارحت على السلطان في استنجاز وعد الرحلة ، ورغبت في تبرئة الذمة ، ونفرت عن الأندلس بالجملة ، خاطبي - يعني أبا جعفر بن خاتمة - بعد صدر بلغ من حسن الإشارة ، وبراعة الاستهلال الغاية ، بقوله : « وإلى هذا يا سيدي ومحلّ تعظيمي وإجلالي ، أمتع اللّه تعالى الوجود بطول بقائكم ! وضاعف في العزّ درجات ارتقائكم ! فإنه من الأمر الذي لم يغب عن رأي العقول ، ولا اختلف فيه أرباب المعقول ، أنكم بهذه الجزيرة شمس أفقها ، وتاج مفرقها ، وواسطة سلكها ، وطراز ملكها ، وقلادة نحرها ، وفريدة دررها ، وعقد جيدها المنصوص ، وتمام زينتها على العموم والخصوص ، ثم أنتم مدار أفلاكها ، وسرّ سياسة أملاكها ، وترجمان بيانها ، ولسان إحسانها ، وطبيب « 1 » مارستانها « 2 » ، والذي عليه عقد إدارتها ، وبه قوام إمارتها ، ولديه « 3 » يحلّ المشكل ، وإليه يلجأ في الأمر المعضل ، فلا غرو أن تتقيّد بكم الأسماع والأبصار ، وتحدّق نحوكم الأذهان والأفكار ، ويزجر عنكم السانح والبارح « 4 » ، ويستنبأ ما تطرف عنه العين وتختلج الجوارح ، استقراء « 5 » لمرامكم ، واستطلاعا لطالع اعتزامكم ، واستكشافا عن مرامي سهامكم ، لا سيما مع إقامتكم على جناح خفوق ، وظهوركم في ملتمع بروق ، واضطراب الظنون فيكم مع الغروب والشروق ، حتى تستقرّ بكم الديار ، ويلقي عصاه التسيار ، وله العذر « 6 » في ذلك إذ صدعها بفراقكم لم يندمل « 7 » ، وسرورها بلقائكم لم يكتمل ، ولم يبرأ بعد جناحها المهيض « 8 » ، ولا جمّ ماؤها المغيض ، ولا تميّزت من داجيها لياليها البيض ، ولا استوى نهارها ، ولا تألّفت أنهارها ، ولا اشتملت نعماؤها ، ولا نسيت غمّاؤها ، بل هي كالناقة « 9 » ، والحديث العهد بالمكاره ، يستشعر نفس العافية ، ويتمسّح منكم باليد الشافية ، فبحناكم « 10 » عليها ، وعظم حرمتكم على من لديها ،
هامش
( 1 ) في ب « وطب » .
( 2 ) المارستان : المستشفى .
( 3 ) في ب « فلديه » .
( 4 ) السانح : الطائر الذي يمر من اليسار إلى اليمين ، والبارح : الذي يمرّ من اليمين إلى اليسار . وقد كان بعض العرب يتفاءل بالسانح ويتشاءم بالبارح ، وكان بعضهم على العكس .
( 5 ) استقراء لمرامكم : تتبعا لمواضع رغبتكم .
( 6 ) في ب « ولها العذر » .
( 7 ) الصدع : الشق . ويندمل الجرح : يشفى .
( 8 ) المهيض : المكسور .
( 9 ) الناقة : من شفي من مرضه ولم ترجع قوته بعد .
( 10 ) في ب « فبجناكم » .