تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
من الذهب الإبريز ، لا بل بما هو أبهى من الجواهر ، والنجوم الزواهر ، وعجبت من تلك الألفاظ ، المشبهة لسحر الألحاظ ، ورقة المعاني ، المحكمة المباني ؛ انتهى . فانظر - أيّدك اللّه تعالى ! - بعين الإنصاف إلى كلام هذا الفاضل ، المنصف الكامل ، وقسه مع كلام ذلك المنتقد المتعصّب الناقص الخامل ، مع أنّ الكلام الذي تعرّض له ذاك بالقدح ، هو الذي تصدّى له الباعوني بالمدح ، وكل إناء بالذي فيه ينضح ، وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل أهل الفضل ، والأمر أجلى « 1 » من أن يقام عليه دليل وأوضح .

[ بين لسان الدين والسلطان الغني بالله سلطانه ]

رجع إلى ما كنّا بصدده : وقال الوزير ابن عاصم عندما أجرى ذكر سلطان ابن الخطيب أمير المسلمين الغني بالله بعد كلام كثير ما صورة محلّ الحاجة منه : وكان هذا السلطان من نيل الأغراض على أكمل ما يكون عليه مثله ممن نزع « 2 » غرقا في قوس الخلافة ، وحكى لي شيخنا القاضي أبو العباس الحسني أنّ كبير ولده الأمير أبا الحجاج طلب من الشيخ ذي الوزارتين أبي عبد اللّه بن الخطيب أن يطلب من أبيه الغني بالله أن يبادر بإعذاره ، إذ كان قد جاوز سنّ الإثغار ، دون إعذار ، لمكان ما لحق والده من التمحيص وغير ذلك من الحوادث المهمّة ، فأسعده الشيخ بذلك ، وقال للغني بالله : يا مولانا ، إنّ سيدي يوسف وكّلني على طلب إعذاره من مولانا نصره اللّه على ما يليق بك وبه ، فقال له الغني بالله : حسبي اللّه ! وسكت سكتة لطيفة تشعر بفصل الكلام بعضه من بعض ، ثم قال : ونعم الوكيل ! فعدّها الأكياس « 3 » من مدارك نبله ، ومحاسن قوله وفعله ؛ انتهى . قلت : هذا من السلطان في حقّ لسان الدين غاية التبجيل ، أعني قوله « ونعم الوكيل » فأين هذا من سماع كلام أعدائه فيه بعد ، حتى آل أمره إلى النحس بعد ذلك السعد ؟ وسقاه دهره بعد الحلاوة ما مرّ ، ولمن يكن قتله إلّا بتسبب السلطان المذكور كما مرّ : [ الرجز ]
ثلاثة ليس لها أمان * البحر والسلطان والزمان
وقال لسان الدين رحمه اللّه تعالى « 4 » ولمّا قضى اللّه عزّ وجلّ بالإدالة ، ورجعنا إلى
هامش
( 1 ) أجلى : أوضح . ( 2 ) نزع في القوس : مدها ، أي جذب وترها . ونزع عن القوس : رمى عنها ، والغرق : اسم مصدر بمعنى الإغراق . ( 3 ) الأكياس : جمع كيّس ، وهو الفطن الذكي ، الحسن الفهم والأدب . ( 4 ) انظر الإحاطة 1 : 124 .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 154 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي