رجع :
وكتب لسان الدين بن الخطيب متمثّلا بشيخه الأوحد قاضي الجماعة أبي البركات بن الحاج البلفيقي رحمهما اللّه تعالى : [ السريع ]
أيتها النفس إليه اذهبي * فحبّه المشهور من مذهبي
أيأسني التوبة من حبّه * طلوعه شمسا من المغرب
ويغلب على ظني أنه خاطبه بذلك عند قدومه ، أعني لسان الدين ، من المغرب إلى الأندلس ، واللّه تعالى أعلم .
[ ثناء قاضي القضاة برهان الدين الباعوني على لسان الدين بن الخطيب اتهام لسان الدين بالإطناب ]
وكان قاضي القضاة برهان الدين الباعوني الشامي « 1 » ، كثير الثناء على لسان الدين رحمه اللّه تعالى ؛ لأنه تلقّى أخباره من قاضي القضاة ابن خلدون حسبما ذكرناه في غير هذا الموضع ، ولقد رأيت بخطّه على هامش بعض تآليف لسان الدين في الإنشاء ما نصّه : هذا بليغ إلى الغاية ، انتهى .
وكتب أثره بعض أكابر علماء المشرق ما نصّه : هذا خطّ العلّامة قاضي القضاة برهان الدين الباعوني ، وهو شديد الاعتناء والمدح للمصنّف ابن الخطيب الأندلسي ، معظّم له ولإنشائه ، وهو خليق بالتعظيم ، جدير بمزيد التمجيد والتكريم وكيف لا وهو شاعر مفلق ، وخطيب مصقع ، وكاتب مترسل بليغ ، لولا ما في إنشائه من الإكثار ، الذي لا يكاد يخلو من عثار ، والإطناب ، الذي يفضي إلى الاجتناب ، والإسهاب ، الذي يقدّ « 2 » الإهاب ، ويورث الالتهاب ؛ انتهى .
[ الرد على هذا الاتهام ]
قلت : وهذا الانتقاد غير مسلّم ؛ فإنّ لسان الدين وإن أطنب وأسهب ، فقد سلك من البلاغة أحسن مذهب ، ويرحم اللّه تعالى العلامة البرهان الباعوني المذكور أعلاه ؛ إذ كتب بخطّه في آخر بعض تآليف لسان الدين في الإنشاء ما صورته : قال كاتبه إبراهيم بن أحمد الباعوني لطف اللّه تعالى به : الحمد للّه على ما ألهم من البيان وعلّم ، وصلّى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وسلّم ، وقفت على هذا الكتاب من أوّله إلى آخره ، وعمت من بحر بلاغته في زاخره « 3 » ، وعددته من مناقب مؤلفه ومفاخره « 4 » ، فإنه برّز فيه غاية التبريز ، وأتى بما هو أحسن
هامش
( 1 ) انظر ترجمته في نظم العقيان : 13 .
( 2 ) يقدّ : يقطع .
( 3 ) العوم : السباحة ، والبحر الزاخر : الكثير الماء ، المتلاطم الأمواج . والكلام على سبيل المجاز .
( 4 ) المناقب : جمع منقبة ، وهي الفعل الكريم ، المفخرة .