نفسه ، وأعانه على فرض صحة الحكم به ، وسدّ الباب في وجهه ، ودعا الناس إلى بيعة أخيه المعتوه ، وأصبح حائرا بنفسه ، يروم ارتجاع أمر ذهب من يده ، ويطوف بالبلد يلتمس وجهها إلى نجاح حيلة ، فأعياه ذلك ، ورشقت من معه السهام ، وفرّت عنه الأجناد والوجوه ، وأسلمه الدهر ، وتبرّأ منه الجدّ ، وعندما جنّ عليه الليل فرّ لوجهه ، وقد التفّ عليه الوزراء ، فسفهت حلومهم ، وفالت آراؤهم « 1 » ، ولو قصدوا به بعض الجبال المنيعة لولّوا أوجههم شطر « 2 » مظنّة الخلاص ، واتّصفوا بإبلاغ الأعذار ، ولكنهم نكلوا عنه ، ورجعوا أدراجهم وتسلّلوا راجعين إلى يد غادر الجملة ، وقد سلبهم اللّه سبحانه لباس الحياء والرجولية وتأذن اللّه تعالى لهم بعد بسوء العاقبة ، وقصد بعض بيوت البادية وقد فضحه نهار الغد ، واقتفى المتبعة أثره حتى وقعوا عليه ، فسيق إلى مصرعه « 3 » ، وقتل بظاهر البلد ثاني اليوم الذي غدر به فيه ، جعلها اللّه تعالى له شهادة ونفعه ! فلقد كان بقية البيت وآخر القوم دماثة « 4 » وحياء ، وبعدا عن الشرور ، وركونا للعاقبة .
وأنشدت على قبره الذي ووريت به جثته بالقلعة من ظاهر المدينة قصيدة أدّيت فيها بعض حقّه :
[ الوافر ]
بني الدنيا بني لمع السّراب * لدوا للموت وابنوا للخراب
انتهى المقصود من الترجمة .
وكان يصف لسان الدين بمقرّبي وجليسي ، كما سبقت الإشارة إليه من كلام لسان الدين فيما خاطب به ابن أبي رمانة ، واللّه يسبل على الجميع رداء عفوه سبحانه .
وقد تقدم أنه شفع لابن الخطيب عند أهل الأندلس ، ولذلك قال يخاطبهم : [ الطويل ]
سميّ خليل اللّه أحييت مهجتي * وعاجلني منك الصّريخ على بعد
فإن عشت أبلغ فيك نفسي عذرها * وإن لم أعش فاللّه يجزيك من بعدي
[ ترجمة لسان الدين من إنشاء الأمير أبي الوليد إسماعيل بن الأحمر ]
وقال الرئيس الأمير الأديب أبو الوليد إسماعيل بن الأحمر في حق ابن الخطيب ما صورته « 5 » .
هامش
( 1 ) في أ « وزالت آراؤهم » .
( 2 ) ولو أوجههم شطر . . . : أي اتجهوا وقصدوا .
( 3 ) مصرعه : موته ، وهلاكه .
( 4 ) الدماثة : سهولة الخلق ولين الطباع .
( 5 ) انظر أزهار الرياض 1 : 191 .