تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
نفسه ، وأعانه على فرض صحة الحكم به ، وسدّ الباب في وجهه ، ودعا الناس إلى بيعة أخيه المعتوه ، وأصبح حائرا بنفسه ، يروم ارتجاع أمر ذهب من يده ، ويطوف بالبلد يلتمس وجهها إلى نجاح حيلة ، فأعياه ذلك ، ورشقت من معه السهام ، وفرّت عنه الأجناد والوجوه ، وأسلمه الدهر ، وتبرّأ منه الجدّ ، وعندما جنّ عليه الليل فرّ لوجهه ، وقد التفّ عليه الوزراء ، فسفهت حلومهم ، وفالت آراؤهم « 1 » ، ولو قصدوا به بعض الجبال المنيعة لولّوا أوجههم شطر « 2 » مظنّة الخلاص ، واتّصفوا بإبلاغ الأعذار ، ولكنهم نكلوا عنه ، ورجعوا أدراجهم وتسلّلوا راجعين إلى يد غادر الجملة ، وقد سلبهم اللّه سبحانه لباس الحياء والرجولية وتأذن اللّه تعالى لهم بعد بسوء العاقبة ، وقصد بعض بيوت البادية وقد فضحه نهار الغد ، واقتفى المتبعة أثره حتى وقعوا عليه ، فسيق إلى مصرعه « 3 » ، وقتل بظاهر البلد ثاني اليوم الذي غدر به فيه ، جعلها اللّه تعالى له شهادة ونفعه ! فلقد كان بقية البيت وآخر القوم دماثة « 4 » وحياء ، وبعدا عن الشرور ، وركونا للعاقبة . وأنشدت على قبره الذي ووريت به جثته بالقلعة من ظاهر المدينة قصيدة أدّيت فيها بعض حقّه : [ الوافر ]
بني الدنيا بني لمع السّراب * لدوا للموت وابنوا للخراب
انتهى المقصود من الترجمة . وكان يصف لسان الدين بمقرّبي وجليسي ، كما سبقت الإشارة إليه من كلام لسان الدين فيما خاطب به ابن أبي رمانة ، واللّه يسبل على الجميع رداء عفوه سبحانه . وقد تقدم أنه شفع لابن الخطيب عند أهل الأندلس ، ولذلك قال يخاطبهم : [ الطويل ]
سميّ خليل اللّه أحييت مهجتي * وعاجلني منك الصّريخ على بعد
فإن عشت أبلغ فيك نفسي عذرها * وإن لم أعش فاللّه يجزيك من بعدي

[ ترجمة لسان الدين من إنشاء الأمير أبي الوليد إسماعيل بن الأحمر ]

وقال الرئيس الأمير الأديب أبو الوليد إسماعيل بن الأحمر في حق ابن الخطيب ما صورته « 5 » .
هامش
( 1 ) في أ « وزالت آراؤهم » . ( 2 ) ولو أوجههم شطر . . . : أي اتجهوا وقصدوا . ( 3 ) مصرعه : موته ، وهلاكه . ( 4 ) الدماثة : سهولة الخلق ولين الطباع . ( 5 ) انظر أزهار الرياض 1 : 191 .