تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
من حيث الحياء والحشمة من الأحياء والأموات وإيجاب الحقوق التي لا يغفلها الكبار للكبار إلّا الجود الذي لا يتعقّبه البخل ، والعفو الذي لا تفسده المؤاخذة ، فضلا عن سلطان الأندلس أسعده اللّه تعالى بموالاتكم ؛ فهو فاضل ، وابن ملوك أفاضل ، وحوله أكياس ما فيهم من يجهل قدركم وقدر سلفكم ، لا سيما مولاي والدكم الذي أتوسّل به إليكم وإليهم ، فقد كان يتبنّى مولاي أبا الحجاج ، ويشمله بنظره « 1 » ، وصارخه بنفسه « 2 » ، وأمدّه بأمواله ، ثم صيّر اللّه تعالى ملكه إليكم ، وأنتم من أنتم ذاتا وقبيلا ، فقد قرّت يا مولاي عين العبد بما رأت في هذا الوطن المراكشي من وفور حشودكم ، وكثرة جنودكم ، وترادف أموالكم وعددكم ، زادكم اللّه تعالى من فضله ! ولا شكّ عند عاقل أنكم إن انحلّت عروة تأميلكم ، وأعرضتم عن ذلك الوطن ، استولت عليه يد عدوّه . وقد علم تطارحي بين الملوك الكرام الذين خضعت لهم التيجان ، وتعلّقي بثوب الملك الصالح والد الملوك الكرام مولاي والدكم ، وشهرة حرمة شالة معروفة ، حاش للّه أن يضيعها أهل الأندلس ، وما توسّل إليهم قطّ بها إلّا الآن ، وما يجهلون إلّا اغتنام هذه الفضيلة الغريبة ، وأملي منكم أن يتعيّن من بين يديكم خديم ، بكتاب كريم ، يتضمّن الشفاعة في ردّ ما أخذ لي ، ويخبر بمثواي متراميا على قبر والدكم ، ويقرّر ما ألزمكم بسبب هذا الترامي من الضرورة المهمّة ، والوظيفة الكبيرة عليكم وعلى قبيلكم حيث كانوا ، وتطلبون منه عادة المكارمة بحلّ هذه العقدة ، ومن المعلوم أني لو طلبت بهذه الوسائل من صلب أموالهم « 3 » ما وسعهم بالنظر العقلي إلّا حفظ الوجه مع هذا القبيل وهذا الوطن ، فالحياء والحشمة بأبيان العذر عن هذا في كلّ ملة ونحلة . وإذا تمّ هذا الغرض - ولا شكّ في إتمامه بالله تعالى - تقع صدقتكم على القبر الكريم بي وتعينوني لخدمة هذا المولى وزيارته وتفقّده ، ومدح النبي صلى اللّه عليه وسلم ليلة المولد في جواره وبين يديه ، وهو غريب مناسب لبرّكم به ، إلى أن أحجّ بيت اللّه بعناية مقامكم ، وأعود داعيا مثنيا مستدعيا للشكر والثناء من أهل المشرق والمغرب ، وأتعوّض من ذمتي بالأندلس ذمّة بهذا الرباط المبارك يرثها ذريتي ، وقد ساومت في شيء من ذلك منتظرا ثمنه ممّا يباع بالأندلس بشفاعتكم ، ولو ظننت أنهم يتوقفون لكم في مثل هذا أو يتوقّع فيه وحشة أو جفاء واللّه ما طلبته ، لكنهم أسرى وأفضل ، وانقطاعي أيضا لوالدكم ممّا لا يسع مجدكم إلّا عمل ما يليق بكم فيه ، وها أنا أرتقب جوابكم بما لي عندكم من القبول ، ويسعني
هامش
( 1 ) في ب « ويشمله بكنفه » . ( 2 ) صارخه : أجاب نداءه وصريخه . ( 3 ) في ب وغيرها من الأصول لا توجد هذه الكلمة ، وقد وضعها الأستاذ محيي الدين عبد الحميد في تحقيقه للنفح في النسخة أ . لاحتياج المعنى إليها . وأبقيناها .