تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
الصالحين ، المتوسّل إليكم أولا بقبورهم ، ومتعبداتهم وتراب أجداثهم ، ثم بقبر مولاي ومولاكم ومولى الخلق أجمعين الذي تسبب في جودكم « 1 » ، واختصّكم بحبّه ، وغمركم بلطفه وحنانه ، وعلمكم آداب الشريعة ، وأورثكم ملك الدنيا ، وهيأتكم دعواته بالاستقامة إلى ملك الآخرة بعد طول المدى وانفساح البقاء ، وفي علومكم المقدسة ما تضمّنت الحكايات عن العرب من النّصرة عن طائر داست أفراخه ناقة في جوار رئيس منهم ، وما انتهى إليه الامتعاض لذلك ممّا أهينت فيه الأنفس وهلكت الأموال ، وقصارى من امتعض لذلك أن يكون كبعض خدامكم من عرب تامسنا ، فما الظن بكم وأنتم الكريم ابن الكريم ابن الكريم فيمن لجأ أولا إلى رحماكم بالأهل والولد عن حسنة تبرعتم بها ، وصدقة حملتكم الحرية على بذلها ؟ ثم فيمن حطّ رحل الاستجارة بضريح أكرم الخلق عليكم دامع العين خافق القلب واهي الفزعة ، يتغطّى بردائه ، ويستجير بعليائه ، كأنني تراميت عليهم في الحياة أمام الذعر الذي يذهب العقل ويحجب عن التمييز بقصر داره ومضجع رقاده ، ما من يوم إلّا وأجهر بعد التلاوة : يا ليعقوب ، يا لمرين ، نسأل اللّه تعالى أن لا يقطع عني معروفكم ، ولا يسلبني عنايتكم ، ويستعملني ما بقيت في خدمتكم ، ويتقبل دعائي فيكم . ولحين وصول الجواب الكريم نهضت إلى القبر المقدّس ووضعته بإزائه ، وقلت : يا مولاي ، يا كبير الملوك ، وخليفة اللّه ، وبركة بني مرين ، صاحب الشهرة والذكر في المشرق والمغرب ، عبدك المنقطع إليك ، المترامي بين يدي قبرك ، المتوسّل إلى اللّه ثم إلى ولدك بك ، ابن الخطيب ، وصله من مولاه ولدك ما يليق بمقامه من رعي وجهك ، والتقرّب إلى اللّه تعالى برعيك ، والاشتهار في مشرق الدنيا ومغربها ببرك ، وأنتم من أنتم من إذا صنع صنيعة كملها ، وإذا منّ منة تممها ، وإذا أبدى يدا أبرزها طاهرة بيضاء غير معيية ولا ممنونة ولا منتقصة « 2 » ، وأنا بعد تحت ذيل حرمتك وظلّ دخيلك ، حتى يتمّ أملي ، ويخلص قصدي ، وتحفّ نعمتك بي ، ويطمئنّ إلى مأملك قلبي . ثم قلت للطلبة : أيها السادة ، بيني وبينكم تلاوة كتاب اللّه تعالى منذ أيام ومناسبة النحلة وأخوّة التأليف بهذا الرباط المقدّس والسكنى بين أظهركم ، فأمّنوا على دعائي بإخلاص من قلوبكم ، واندفعت في الدعاء والتوسّل الذي نرجو أن يتقبّله اللّه تعالى ، ولا يضيعه ، وخاطب العبد مولاه شاكرا لنعمته مشيدا بصنيعته ، مسرورا بقبوله ، وشأنه من التعلّق والتطارح شأنه حتى يكمل القصد ويتمّ الغرض ، معمور الوقت بخدمة يرفعها ، ودعاء يردّده ، واللّه المستعان » ؛ انتهى .
هامش
( 1 ) في ب « وجودكم » . ( 2 ) غير ممنونة : غير مقطوعة ، أو غير معدودة وقيل غير منقوصة . وفي القرآن الكريموَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ.
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 145 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي